تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الألف ومعناها

هذا، ولنعد إلى أصل الكلام فنقول: إن كل كتاب رتب على حروف المعجم ابتدأ بالألف، وإنما قدمت لتقدمها في حروف أبجد التي هي الأصل، ولتقدم مخرجها على سائر المخارج؛ فإنها من أقصى الحلق، ولكثرة ورودها في الكلام، وقد قيل: إن جميع أهل اللغات المشهورة يبتدئون بالألف عند تعداد الحروف إلا الحبشة، والمراد بالألف هنا: الهمزة لا ألف المد؛ لأنها لا توجد في أوائل الكلم حتى عند الذين يجوزون الابتداء بالساكن؛ لأنها لا تحدث إلا إذا سبقها حرف متحرك بالفتحة إذا مد، فمن ثم لم توجد إلا في الوسط أو في الآخر، على أن الألف في أصل الوضع كان اسما للهمزة، وأما ألف المد كألف قال، فلم يجعل لها الواضع اسما لعدم استقلالها بنفسها، وإنما يطلق عليها الألف مجازا حيث تظهر بصورته في الكتابة، وإنما كتب بصورة الألف لأن الألف كثيرا ما تقلب إليها حين التخفيف، وذلك في مثال «سأل» و«قرأ»، قال المحققون: إن الواضع لأسماء الحروف قد راعى أمرا بديعا؛ وهو أنه جعل مسمى كل حرف في صدر اسمه، ولا يخفى أن أول الألف هو الهمزة، وقد وهم من ظن أن الألف كانت في الأصل اسما لذلك الحرف الذي لا يقوم بنفسه، فقال: إن الذي يذكر في حروف التهجي هو الألف لا الهمزة، وكل الحروف قد صدر فيها المسمى بالاسم إلا الألف؛ فإنه لا يتأتى فيه تصدير الاسم بالمسمى.

في أن الهمزة اسم حدث فيما بعد

وأما الهمزة فهو اسم حدث فيما بعد، ولما شاع كثر إطلاقه على الألف وكثر إطلاق الألف على ذلك الحرف الذي لا يستقل بنفسه؛ حتى صار لفظ الألف كأنه خاص به، وهذا في عرف المتأخرين.

وأما المتقدمون فإطلاق الألف على الهمزة شائع عندهم ذائع؛ فيقولون: هذه ألف قطع، وهذه ألف وصل، وهذه ألف استفهام، وأما لفظ الهمزة فلم يطلقه أحد على ألف المد أصلا، وفرق بعضهم بين النوعين فسمى ألف المد بالألف اللينة والهمزة بالألف اليابسة، وقد أطلق بعضهم الألف المتحركة على الهمزة مع أنها قد تكون ساكنة اعتمادا على فهم المقصود من ذلك؛ لأنها في مقابلة ألف المد التي لا تقبل الحركة، وينبغي أن لا يذكر الألف مطلقا في موضع يقع فيه التباس، والذي حملنا على إطلاقها هنا ما ذكرنا من أن ألف المد لا توجد في أوائل الكلم فارتفع اللبس، ولأنه الاسم الأول للهمزة، ولأن حروف المعجم لا يذكر فيها غيره؛ ولذا التزم كثير ممن رتب كتبهم على حروف المعجم أن لا يطلق غير هذا اللفظ في العنوان، ولأنه الوارد في الكتاب العزيز، قال تعالى:

الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ، نعم، يقع الالتباس في هذا الموضع في كتب اللغة التي جعلت الباب معقودا لآخر الكلمة كالصحاح؛ فإن أواخر الكلم كثيرا ما توجد فيها الألف اللينة، غير أن صاحب «الصحاح» قد رفع اللبس بقوله: باب الألف المهموزة.

في الألف اللينة

واعلم أن الألف اللينة لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة والأفعال، وإنما تكون فيهما زائدة كألف «قتال» و«قاتل»، أو منقلبة عن واو أو ياء كألف «قال» و«باع» و«غزا» و«رمى»، وأما الحروف ك «ما» و«لا» والأسماء المتشابهة لها ك «ذا» و«مهما»، والأسماء المعربة ك «الدانق» فالألف فيها أصلية، وقد عرفت أن أرباب اللغة لا يعتبرون الحرف الزائد، وأما الحرف المنقلب عن غيره فيعتبرون الحرف الذي انقلب عنه؛ فيذكرون «غزا » في «غزو» و«رمى» في «رمي»، وقد عقد صاحب «الصحاح» للألف اللينة بابا على حدة جعله في آخر الكتاب إتماما للمقصود، قال فيه: باب الألف اللينة. لأن الألف على ضربين: لينة ومتحركة؛ فاللينة تسمى ألفا، والمتحركة تسمى همزة، وقد ذكرنا الهمزة وذكرنا أيضا ما كانت الألف فيه منقلبة من الواو والياء، وهذا الباب مبني على ألفات غير منقلبات من شيء فلهذا أفردناه. فإن قلت: إن الجمهور قد جعلوا الباب معقودا لأول الكلمة والفصل لثانيها فكان يمكنهم أن يجعلوا في كل باب فصلا للألف اللينة، فلم لم يفعلوا ذلك؟ قلت: تركوا ذلك لقلة الكلمات التي ثانيها ألف لينة أصلية، وأما الأسماء المعربة ك «دانق» و«آب» ونحو ذلك فذكروها في أشبه المواضع بها؛ وهي المواضع التي يظن أن الباحث يتحراها فيها، فذكروا دانق في «دنق» وآب في «أوب» واستبرق في «برق» وقس عليه غيره، واختلف في الهمزة والألف فقيل: هما متحدتان بالذات غير أن في الهمزة شدة رفعتها للحلق، فالفرق بينهما كالفرق ما بين النون الساكنة والمتحركة فإنهما متحدتان مع أن بينهما فرقا، وهي أن النون الساكنة تخرج من الخيشوم بدليل أنك لو أمسكت بأنفك ثم نطقت بها لوجدتها مختلفة بخلاف النون المتحركة، وإن كان فيها بعض غنة تخرج من الأنف، وقيل هما مختلفتان بدليل اختلاف المخرج؛ فإن الهمزة من الحلق والألف من الجوف، وعلى الحالين فلا ينبغي أن يخلط بينهما كما فعل بعض اللغويين حين أراد ذكر معناهما، بل يجب ذكر كل واحدة منهما على حدة.

الكافي في اللغة · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ١٤