تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهمزة وما يتعلق بها من المباحث

وقد أفاض العلماء في أمر الهمزة، وما ذكروه فيها يبلغ سفرا ضخما؛ لكثرة ما لها من الأحوال، ولقد أحببنا أن نورد هنا أقل ما يمكن إيراده في مثل هذا المقام؛ فنقول: إن الهمزة قد تكون من حروف المعاني، وقد تكون من حروف المباني؛ فإذا كانت من حروف المعاني فقد تكون للنداء إذا كان المنادى قريبا، كقول امرئ القيس:

أفاطم، مهلا بعض هذا التدلل

وإن كنت قد أزمعت صرما فأجملي

وقد تكون للاستفهام، ومعناه طلب الفهم، نحو: «أزيد قائم؟» و«أرأيت عمرا؟» ويجوز مدها إذا جاء بعدها همزة، نحو:

أأنت فعلت هذا ، قال ذو الرمة:

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل

وبين النقا آأنت أم أم سالم

فصل بين الهمزتين بالألف فرارا من ثقلهما، قال بعض العلماء: هذا إذا لم تكن الهمزة الثانية ممدومة، فإن كانت ممدودة امتنع مد الأولى؛ لما في اجتماع همزتين وألفين من الثقل الشديد نحو: أآسيت زيدا وأآخيت عمرا.

وقد تخرج الهمزة عن الاستفهام فترد لنحو ثمانية معان مذكورة في كتب النحو، وإذا كانت من حروف المباني فهي ثلاثة أضرب: أصل وبدل وزائدة؛ ومعنى كونها أصلا أن تكون فاء الفعل نحو: «أمر» و«أمن» و«أنف» و«أذن» و«أبره». أو عينه نحو: «سأل» و«سئم» و«ضؤل» و«بأس» و«ذئب» و«بؤس». أو لامه نحو: «قرأ» و«وطئ» و«وطؤ» و«مرء» و«ردء» و«رزء»، ولم تجئ كلمة فاؤها وعينها همزة، ولا عينها ولامها همزة؛ لما في النطق بالهمزة من التكلف، فإذا كرهوا الهمزة الواحدة فهم بكره الثنتين - لا سيما إذا كانتا مصطحبتين غير مفترقتين - أحرى، فليس في الكلام لفظة توالت فيها همزتان وهما أصلان البتة. وقد جاءت أسماء محصورة وقعت الهمزة فيها فاء ولاما نحو: «آءة» و«أجأ» لوجود الفصل بينهما.

وذهب سيبويه في «ألاءة» و«أشاءة» و«أباءة» إلى أنهما فعالة، ولامها همزة، و«الألاءة» واحدة «الألاء» وهو شجر مر يدبغ به، والإشارة واحدة «الأشآء» وهي صغار النخل، والأباءة واحدة «الأباء» وهي الأجمة من القصب، وكلها بالفتح، وذهب أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج إلى أن الإباءة من ذوات الياء؛ فهي من «أبيت» وأصلها عنده أباية، وإنما حملها على معنى أبيت لما أن الأجمة ممتنعة بما ينبت فيها من القصب وغيره من السلوك فكأنها أبت وامتنعت على سالكها.

ومعنى كون الهمزة زائدة: أن لا تكون فاء الفعل ولا عينه ولا لامه؛ وذلك نحو همزة «أكرم» و«إثمد» و«إكليل » و«شمأل» و«ضهيأ».

ومعنى كونها بدلا: أن تقوم مقام حرف إما ضرورة وإما استحسانا، وقد أبدلت من خمسة أحرف، وهي: الألف والواو والياء والهاء والعين.

وأما إبدالها من الألف ففي العالم في قول العجاج:

يا دار سلمى يا اسلمي ثم آسلمي

فخندف هامة هذا العألم

فقد روي أنه كان يهمز «العالم»، وأما إبدالها من الواو والياء ففي «أقتت» في «وقتت»، وفي «أديه» في قولهم: «قطع الله أديه.» يريدون: يديه، وفي مثل: قام، وأصله: «قوم»، وباع، وأصله: «بيع»، وفي مثل: «قائم» و«بائع»، وفي مثل: «علاء» و«كساء» و«قضاء» و«سقاء»، وأصلها: «علاو» و«كساو» و«قضاي» و«سقاي»؛ لأنها من «علوت» و«كسوت» و«قضيت» و«سقيت»، وقد أبدلت الواو همزة بدلا مطردا إذا ضمت ضما لازما، وذلك نحو: «أثؤب»، قال في «الصحاح»: «الثوب واحد الأثواب والثياب، ويجمع القلة على أثوب، وبعض العرب يقول: أثؤب، فيهمز لأن الضمة على الواو تستثقل، والهمزة أقوى على احتمالها، وكذلك «دار» و«أدؤر» و«ساق» و«أسؤق»، وجميع ما جاء على هذا المثال.» ونظير ذلك: قئول وما أشبهه.

قال سيبويه: «واعلم أن هذه الواو إذا كانت مضمومة فأنت بالخيار إن شئت تركتها على حالها، وإن شئت أبدلت الهمزة مكانها؛ وذلك نحو قولهم في «ولد»: «ألد»، وفي «وجوه»: «أوجه»، وإنما كرهوا الواو حيث صارت فيها ضمة كما يكرهون الواوين، فيهمزون نحو: «قئول» و«مئون»، وأما الذين لم يهمزوا فتركوا الحرف على أصله كما يقولون: «قئول» فلا يهمزون، وإذا التقت واوان في أول الكلمة لم يكن بد من همز الأولى؛ وذلك «كالأواقي» في جمع «واقية» وأصلها «وواقي» لأنها فواعل، إلا أنهم كرهوا اجتماع الواوين فقلبوا الأولى همزة، وقد أبدلت الهمزة من الياء الزائدة في نحو قولهم: «حرباء» و«علباء»، وأما إبدال الهمزة من الهاء ففي قولهم: «ماء» وأصله «موه» لقولهم في الجمع: «أمواه»، وفي قولهم: «آل» وأصله «أهل» أبدلت الهاء همزة، فتوالت همزتان، فأبدلوا الثانية ألفا، كما أبدلوها في «آخر» و«آمن» ثم خصوه بأشرف المواضع التي يستعمل فيها «أهل»، ولم يستعملوه في كل موضع يستعمل فيه «أهل»، وأما إبدالها من العين فقد وقع في «أباب» بحر أي: في عبابه، وهو شاذ، وقال ابن جني: «هو من أب إذا تهيأ، وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر به؛ فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من العين، وإن قلت إنها بدل منها فهو وجه وليس بالقوي، ومن أراد استيفاء هذه المباحث وما شاكلها فلينظر في كتابه المسمى: ب «سر الصناعة».»

الكافي في اللغة · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ١٥