تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عبارة الخليل في العلل التي يذكرها النحويون

قال أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي في كتاب «إيضاح علل النحو»: «ذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقامت في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها، وعللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته به، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن يكن هناك علة غير ما ذكرت فالذي ذكرته محتمل أن يكون علة له.»

ومثلي في ذلك مثل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو البراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل الداخل الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا، وسبب كذا لعلة سنحت له وخطرت محتملة أن تكون علة لتلك، فجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنحت لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته فليأت بها. وهذا كلام مستقيم وإنصاف من الخليل.

هذا، والمراد باللغات السامية فيما سبق ذكره: اللغات المنسوبة إلى سام بن نوح - عليه السلام - وسبب هذه النسبة: كون أكثر المتكلمين بها من نسله، وأشهرها: العربية، والعبرانية، والسريانية. وقد نشأت هذه اللغات الثلاثة من أصل واحد هو لهن بمنزلة الأم، وهي اللغة الآرامية نسبة إلى آرام أحد أبناء سام، وقد عدت هذه اللغات الثلاث أخوات لما ذكر، ولكثرة التشابه بينهن، وقال بعض العلماء: كانت لغة العبرانيين في أول الأمر هي السريانية؛ إذ كان جدهم إبراهيم - عليه السلام - سريانيا مولدا وموطنا، فلما هاجر إلى أرض كنعان، واختلط بنوه بالكنعانيين سكان تلك الأرض تغيرت لغتهم تغيرا ما ونشأت عنها اللغة العبرانية، والكنعانيون هم أولاد كنعان، أحد أبناء سام، وقد عرفهم بعض اللغويين بقوله: «الكنعانيون أمة تكلمت بلغة تضارع العربية.»

عبارة في اللغة العربية وأخواتها منقولة من كتاب الإحكام

قال الإمام ابن حزم في كتاب «الإحكام لأصول الأحكام»: «لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها، بها علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودها، ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم - عليه السلام - عليها أولا، إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها، وأبينها عبارة، وأقلها إشكالا، وأشدها اختصارا، وأكثرها وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها المختلفة من كل ما في العالم من جوهر أو عرض لقول الله عز وجل:

وعلم آدم الأسماء كلها . فهذا التأكيد يرفع الإشكال ويقطع الشغب فيما قلناه، وقد قال قوم هي السريانية، وقال قوم هي العبرانية، وقال قوم هي العربية، والله أعلم، إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة لا لغة حمير لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها؛ فحدث فيها جرس كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتهما، ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط - وهي على ليلة واحدة من قرطبة - كاد يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهكذا في كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة لأخرى تتبدل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله.

ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلا هو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق؛ فتجدهم يقولون في «العنب»: «العينب» وفي «السوط»: «أسطوط» وفي «ثلاثة دنانير»: «ثلاثا»، وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول «الشجرة» قال: «السجرة». وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول: «مهمد» إذا أراد أن يقول «محمد» ومثل هذا كثير، فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبدل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل، وإذ قد تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معا، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل - عليه السلام - فهي لغته ولغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغه ولده، والسريانية بلا شك هي كانت لغة إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - بنقل الاستفاضة الموجب لصحة العلم؛ فالسريانية أصل لهما.»

الكافي في اللغة · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ١٣