تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذب العتيق وماء شن بارد

إن كنت سائلتي صبوحا فاذهب

أي: عليك بالعتيق، قال محمد بن السري: «إن مضر تنصب به واليمن ترفع.» ومعنى كذب عليك البزر أي الزمه وخذه، ووجه ذلك أن الكذب عندهم في غاية الاستهجان ، ومما يغري بصاحبه، ويأخذه المكذوب عليه؛ فصار معنى كذب فلان الإغراء به؛ أي الزمه وخذه فإنه كاذب، فإذا قرن بعليك صار أبلغ في الإغراء كأنك قلت: افترى عليك فخذه، ثم استعمل في الإغراء بكل شيء وإن لم يكن مما يصدر منه الكذب، كقول بعضهم لمن شكا إليه المعص، وهو التواء في عصب الرجل: كذب أي عليك العسل؛ أي وهو بالعسلان وهو مشي الذئب، أي: عليك بسرعة المشي.

ومما ينبغي التروي فيه ما جاء على نهج الإتباع؛ فإنه كثيرا ما لا يكون له حال الإفراد معنى قال النحاة: التأكيد اللفظي ضربان؛ أحدهما: يكون بإعادة اللفظ الأول بعينه نحو: جاءني زيد زيد، وثانيهما: يكون بإيراد موازنه مع اتفاقهما في الحرف الأخير نحو: حسن بسن، وهو ثلاثة أقسام:

أحدهما:

أن يكون للثاني معنى ظاهر نحو هنيئا مريئا.

وثانيهما:

أن يكون له معنى أصلا، ولكن ضم إلى الأول لتزيين الكلام لفظا وتقويته معنى، وإن لم يكن له في حال الإفراد معنى.

وثالثهما:

أن يكون معنى متكلف غير ظاهر، نحو: خبيث نبيث، فالنبيث يمكن أن يكون بمعنى: الذي ينبث أمور الناس؛ أي يستخرجها، من نبثت البئر إذا أخرجت نبيثتها، وهو ترابها، وكان قياسه أن يقال: خبيث نابث لكن قيل نبيث لموازنة خبيث.

ولاعتنائهم بتقارب اللفظين قلبوا واو بوص ياء؛ وذلك في قولهم: «وقعوا في حيص بيص.» قال بعض اللغويين: «الاتباع: هو أن تتبع الكلمة كلمة على وزنها أو رويها تأكيدا.»

وقد ألف ابن فارس فيه كتابا قال في أوله: «هذا كتاب «الاتباع والمزاوجة»، وكلاهما على وجهين؛ أحدهما: أن تكون كلمتان متواليتان على روي واحد، والوجه الآخر: أن يختلف الرويان. ثم تكون بعد ذلك على وجهين؛ أحدهما: أن تكون الكلمة الثانية ذات معنى معروف، والآخر: أن تكون الثانية غير واضحة المعنى ولا بينة الاشتقاق إلا أنها كالاتباع لما قبلها.» روي أن بعض العرب سئل عن هذا الاتباع فقال: «هو شيء نتد به كلامنا.»

ثم إن الكلمات التي لها معنى معروف قد تكون بمعنى ما قبلها، وقد يكون لها غير معناه، وقد كان بعض اللغويين لا يسمي بالاتباع إلا ما لا يكون له معنى إذا جيء به وحده، نحو: «نطشان» في قولك: «عطشان نطشان»، بخلاف قولهم: فلان «قسيم وسيم»؛ فإن «وسيم» قد جاء دون «قسيم»، يقال: رجل «وسيم» أي «جميل»، وامرأة «وسيمة»، والميسم: الحسن والجمال.

وقال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم «بسن»؛ فقال: لا أدري ما هو. وقد توهم بعضهم من عبارة أبي حاتم أنه يرى أن ذكره من قبيل العبث، فرد عليه بأنه يفيد التقوية، وليس ذكره سدى، ولا يخفى أن أبا حاتم إنما قال: لا أدري ما هو بالنظر إليه وحده، وأما إفادته التوكيد عند مجيئه تابعا لحسن فهو أمر لا يخفى على أحد من أهل اللغة، ونظير ذلك اعتراض بعضهم على نحاة في قولهم: هذا الحرف زائد، وما بعد إذا زائدة، فظنوا أن قولهم بذلك يدل على أن في اللغة ما هو من قبيل العبث، مع أنهم قد صرحوا في الكتب المبسوطة بأن معنى قولهم: «إن هذا زائد.» أنه إنما جيء به لتوكيد الكلام ولم يحدث معنى؛ وذلك ك «ما» من قوله تعالى:

فبما نقضهم

و

عما قليل ،

مما خطيئاتهم

والباء في قوله:

أليس الله بكاف عبده ، ومن أكثر التتبع تبين له أن أكثر الاعتراضات التي يوردها بعض أرباب الفنون على ما ليس من فنهم تكون واهية؛ وكأن بعضهم ارتاع من اعتراض مثل هؤلاء فحاول أن يوجد ل «بسن» معنى، فقال: الأصل في «بسن» «بس»، و«بس» مصدر بسست، حذفت إحدى السينين تخفيفا وزيدت فيه النون، وبني على مثال حسن، ومعنى بسن: حسن كامل الحسن، ويمكن أن يقال وهو الأحسن: أبدلت السين الثانية هنا نونا ولم تبدل ياء على ما هو المألوف في المضاعف رعاية للاتباع؛ لأن مذهبهم فيه أن تكون أواخر الكلم على لفظ واحد مثل القوافي والسجع، وقد خلص أبو حاتم بقوله: لا أدري من التعسف، وفي مثل هذه المجاهل ينبغي أن يقال إن «لا أدري» نصف العلم من غير أن يوصل بعض المستدركين، لكنه من النصف الذي لا ينفع. ومن الاتباع قولهم: هو همزة لمزة، الهمزة والهماز: العياب، والهمز مثل الغمز والضغط، ومنه الهمز في الكلام، تقول: همزت الكلمة همزا، وهي كلمة مهموزة؛ لأن الهمز لا بد فيه من ضغط، وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ فقال: السنور يهمزها. واللمزة واللماز كالهمزة والهماز، وأصل اللمز: الإشارة بالعين ونحوها.

الكافي في اللغة · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الكافي في اللغةص ١٢