هو أبو بكر محمد بن القاسم، من أهل الأنبار، كان أبوه محمد الأنباري من أهل الأخبار والنحو فتلقى العلم عنه وعن ثعلب، وكان مضرب المثل بسرعة الخاطر وقوة الذاكرة، وكان يملي علمه من حفظه في ناحية من المسجد في بغداد. ويقول أبو علي القالي عنه إنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن الكريم، وقيل له: قد أكثر الناس في محفوظاتك، فكم تحفظ؟ فقال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا، وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا للقرآن بأسانيدها. وكان لسعة علمه يطيل التأليف إذا كتب، قالوا إنه كتب كتابه «غريب الحديث» في 45000 ورقة وشرح الكافي في 1000 ورقة.
وقد ألف في النحو واللغة والأدب والقرآن والحديث، وتوفي سنة 327 وقيل 328ه. وله كتب كثيرة، ومما وصلنا منها: كتاب الأضداد في النحو، وكتاب الزاهر في معاني كلمات الناس، وشرح المفضليات، وكتاب الإيضاح في الوقف والابتداء، وكتاب الهاءات في كتاب الله.
ويعرف بابن الأنباري أيضا «أبو البركات» عبد الرحمن بن محمد الأنباري الملقب بكمال الدين النحوي، وكان من الأئمة المشار إليهم في علم النحو، سكن بغداد من صباه، وبقي بها إلى أن توفي سنة 557ه، قرأ النحو بالمدرسة النظامية، ثم صار مدرسا بها، وصنف كتاب أسرار العربية في النحو، وكتاب الميزان فيه أيضا، وكتاب طبقات الأدباء، وانقطع في آخر عمره للعبادة والعلم، وترك الدنيا وأهلها ومجالسها، وبقي حميد السيرة حتى توفي، وكانت ولادته عام 513ه. (3) ابن جني
هو أبو الفتح عثمان بن جني، ولد في الموصل حوالي عام 300ه، كان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي، تنقل بين حلب وفارس، وعاش في بلاط سيف الدولة حينا، وفي بلاط عضد الدولة حينا. درس على أبي علي الفارسي البصري وصحبه نحوا من أربعين عاما وبقي معه حتى توفي. تعرف على أبي الطيب المتنبي، وعاش معه حينا في بلاط سيف الدولة، وتوثقت الصلة بينهما، وقد شرح ديوان المتنبي شرحا استفاد منه كل شراح الديوان بعده لأنه لعشرته للمتنبي عرف الظروف والمناسبات التي أحاطت شعره، وكان أبو الطيب المتنبي يجله ويقول: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.» ولابن جني اطلاع واسع في العربية فمن كتبه: سر الصناعة، وأسرار البلاغة في الحركات وأحرف العربية، وله كتاب «الخصائص في علم أصول العربية». على أن ابن جني قد شهر بالنحو، واتخذ له منهجا وسطا بين مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة، وكان ماهرا في التصريف، ماهرا في التعليل والقياس، ويقول عنه الباخرزي في «دمية القصر»: «ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له، ولا سيما في علم الإعراب.»
وله شعر، على أنه شعر العلماء لا شعر الشعراء المطبوعين، من هذا قوله في أصله الرومي:
فإن أصبح بلا نسب
فعلمي في الورى نسبي
على أني أؤول إلى
قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا
أرم
1
الدهر ذو الخطب (4) ابن خالويه
هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه، همداني الأصل، دخل بغداد عام 314ه، درس النحو والأدب على ابن دريد وابن الأنباري ونفطويه وأبي عمر الزاهد، ودرس الحديث على محمد بن مخلد العطار. وانتقل إلى الشام، ثم أقام بحلب واتخذها وطنا له، وتقرب من آل حمدان. وقد شهر بالنحو، واتخذ له مذهبا وسطا بين مدرستي الكوفة والبصرة النحويتين، وكان ذائع الصيت في التدريس، وقد حظي عند سيف الدولة الحمداني حتى اتخذه مؤدبا لأولاده. وكان يقرض الشعر، وله مناظرات مع أبي الطيب المتنبي؛ أنشد المتنبي قصيدته التي مطلعها:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه
بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وهي أول قصيدة أنشدها المتنبي لسيف الدولة، وكان ابن خالويه حاضرا في مجلس سيف الدولة فقال للمتنبي: تقول أشجاه وهو شجاه؟ فقال له المتنبي: «اسكت، ليس هذا من علمك، إنما هو اسم لا فعل»، وللنحاة جدل طويل حول بيت أبي الطيب هذا، وابن خالويه ظن أن المتنبي يعني بأشجاه: من شجاه يشجوه شجوا وأن الهاء في «أشجاه» مفعول به، وأبو الطيب عني به أفعل التفضيل ويكون الهاء مضافا إليه.