وقد سلك الخليل في ترتيب حروف الهجاء مسلكا لم يسبق إليه، ذلك أنه رتبها حسب المخارج مع تغيير طفيف فجاءت على هذا الوجه: ع ح ه خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م و أ ي.
قال الخليل: «لم أبدأ بالهمزة لأنه يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء كلمة، ولا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت لها، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء، فوجدت أنصع الحرفين فابتدأت بها ليكون أحسن في التأليف.» ا.ه. (1-7) هل كان الخليل يقرض الشعر؟
قالوا: كان ينظم البيتين والثلاثة كما سيأتي، وروى الأثبات أنه سئل لماذا لا تقرض الشعر مع سعة علمك بالعربية وتبحرك في علومها؟ قال: «يأباني جيده وآبي رديئه»، وهذا الجواب على إيجازه غاية في البلاغة وآية في الحكمة وحصافة الرأي. (1-8) مؤلفاته
للخليل مؤلفات أبدع فيها أيما إبداع، ولم يحتذ في تأليفها وتبويبها حذو من سبقه من أهل العلم، والذي يجيل النظر في سيرة هذا الرجل يتبين له أنه كان يربأ عن سلوك المناهج المعبدة في كل ما يكتب ويصنف، ولذلك كان يسلك في التأليف طرقا خاصة يؤم فيها الناس ولا يأتم بأحد، فمن تصانيفه: (1)
كتاب العين، وقد مر بك بعض أوصافه. (2)
فائت العين. (3)
كتاب الإيقاع، وهو في الموسيقا العربية، ويظهر من مراجعة فهارس المؤلفات في هذا الباب أن الخليل يعتبر مجلي الحلبة في هذا المضمار. (4)
كتاب النغم، وهو في الموسيقا العربية. (5)
كتاب الجمل. (6)
كتاب الشواهد. (7)
كتاب العروض. (8)
النقط والشكل، وقد أشرنا إليه آنفا. وذكر الفاضل جورجي زيدان في كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية» ما نصه: «في المكاتب الكبرى في أوروبا مما ينسب إلى الخليل: (أ)
كتاب في معنى الحروف، في مكتبة ليدن ومكتبة برلين. (ب)
كتاب شرح حروف الخليل، في مكتبة برلين قطعة منه. (ج)
كتاب جملة آلات العرب، في مكتبة أيا صوفيا في الآستانة. (د)
قطعة من كلام عن أصل العقل ، في مكتبة أكسفورد بودليان ...» (1-9) زهده وورعه
كان الخليل من أولئك الفلاسفة الذين نظروا إلى هذا العالم نظرة الازدراء، ولم تخدعهم بهرجته، ولا غرتهم زخارفه، أجل كان الخليل أحد زهاد الدنيا المتبتلين إلى الله تبتيلا، ومن أنصع البراهين على ذلك أن أمير الأهواز «سليمان بن علي» أرسل إليه يلتمس منه الشخوص ليقيم بحضرته ويؤدب أولاده، فأخرج الخليل للرسول خبزا يابسا وقال: كل فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة بي إلى سليمان. فقال الرسول: فماذا أبلغه؟ فقال له:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة
وفي غنى غير أني لست ذا مال
شحا بنفسي إني لا أرى أحدا
يموت هزلا ولا يبقى على حال
والفقر في النفس لا في المال نعرفه
ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
وكان سفيان بن عيينة يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل. وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص بالبصرة لا يقدر على فلسين وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال الطائلة.
ومن أوابد حكمه:
وقبلك داوى المريض الطبيب
فعاش المريض ومات الطبيب
فكن مستعدا لدار الفنا
ء فإن الذي هو آت قريب
وبالجملة فقد كان الخليل أحد حسنات هذه الأمة وقمرا من أقمارها ودرة في تاج مفاخرها. (1-10) وفاته
اختلف المؤرخون في السنة التي انتقل فيها الخليل إلى جوار ربه، فذهب جمهورهم إلى أنه توفي سنة 170ه، وقال آخرون: سنة 175ه، وقال بعضهم: سنة 160ه. وأغرب خطأ وقع في ذلك هو قول ابن الجوزي في كتابه «شذور العقود» إنه مات سنة 130ه، وهو منقول عن الواقدي. قال المحقق ابن خلكان: إنه خطأ قطعا والصواب ما أثبتناه أولا.
وكانت وفاته في البصرة مسقط رأسه، فكانت البصرة مشرق هذا الكوكب الوقاد ومغربه، وقد ضمته تربتها إلى من ضمت من أعلام العلم، وأقمار الفضل، ونجوم الهدى، ورجال التقى الذين حلوا الآداب بأنفس الحلى، ونهضوا بالمعارف الإنسانية إلى مراتب العلا، فكانوا للعلم جمالا، وللتاريخ أبهة وجلالا، رضي الله عنهم ورضوا عنه ولقاهم في دار رضوانه تحية وسلاما ! (2) ابن الأنباري