ومسألة الحفظ هذه كانت أولى الغايات وآخرها في هذه المعضلة، يجورون على العبارة كل الجور في التقتير والتقدير ليسهل على الحافظة ازدرادها، وفاتهم أن العلوم إنما تطلب لتفهم وترسخ ملكاتها في العقول، وأما الحفظ المجرد عن الفهم بل الهضم فإثمه أكبر من نفعه وضرره في الذهن لا يقل عن الأضرار التي تصيب المعدة من جراء الأطعمة التي تدهدى فيها من غير مضغ وتحليل، وأن استظهار الألفاظ قبل تحديد معانيها الصحيحة في الذهن تحديدا واضحا يلجئ الذهن بعد الحيرة إلى خلق معان لها قد تكون قصية عن المقصود ولكنها تأخذ في الذهن مكانها وتستعصي فيه، ويعسر بعد ذلك على المعاني الصحيحة زحزحتها واحتلال مكانها فيحصل من هذا التدافع فوضى ذهنية يستعصي على أطبة النفوس استئصالها.
ولهذا نرى علماء النفس يشددون النكير على من يعلم الطفل لفظا قبل تحديد معناه في ذهنه تحديدا واضحا، ويستعينون على ذلك بالمحسوسات أو ما يقرب منها، ومن ثم ذهب بعض الأعلام من أولينا إلى أنه لا ينبغي أن يؤخذ الأحداث بحفظ القرآن الكريم إلا بعد أن يستعدوا لفهمه بتقديم دراسات أخرى، وقال أبو بكر بن العربي: «يا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ ما لا يفهم ...!» وقد استحسن العلامة ابن خلدون هذا المذهب وإن اعتذر لتطبيقه بحكم العادة. (2)
عدم التدرج في ترتيب المسائل ورصف القواعد، فنراهم كثيرا يستعينون بالمجهول لإيضاح مجهول مثله، فيقولون مثلا: «المعرب هو المركب الذي لم يشبه مبني الأصل» مع أن الطالب لم يعرف المبني المطلق فضلا عن مبني الأصل، وإذا سأل عن المبني قيل له: «هو المركب الذي أشبه مبني الأصل.» ويقولون مثلا: «الرفع علم الفاعلية، والنصب علم المفعولية، والجر علم الإضافة»، مع أن الطالب لم يعرف شيئا بعد من أمر الفاعلية والمفعولية والإضافة، ومعرفة ذلك كله تتوقف على ذكر الكثير من الفصول والأبواب.
وهكذا يجد الطالب نفسه تجاه مجهولات تتكاثر وتتكاثف وغوامض تتراص وتتراكب، فلا يقوى على تذليلها إلا إذا رزق صبرا رصينا وقيض الله له شيخا بارعا يعرض أمامه سلسلة من المقدمات كثيرة الحلقات، ثم لا يصل إلى المقصود إلا بعد جهد جهيد.
ولا ينكر أن بعض المؤلفين انتبه لهذا الأمر وحاول التسهيل على المبتدئين فلا ينتقل إلى مجهول غالبا إلا بعد أن يمهد له بمعلوم أو يوضحه عن قرب، ليصل بالطالب إلى غرضه من أقصر الطرق وأسهلها. ويذكر في مقدمة هؤلاء الأفذاذ: أبو عبد الله محمد بن محمد الصنهاجي صاحب المقدمة المعروفة بالآجرومية، فإنه اقتصر فيها على اللباب وقلل من استعمال المجهولات في إيضاح المجهولات وذكر بعض الأبحاث بأكثر من أسلوب لترسيخها في الفهم، ومشى في كثير من المسائل على مذهب الكوفية مع أنه مرجوح عند المغاربة والمشارقة من نحاة عصره، تسهيلا على المبتدئين من المتعلمين لأن مذهب الكوفية في هذه المسائل أقرب تناولا إلى أذهانهم من مذهب البصرية ... ولكن الشراح والمحشين لم يأبهوا لهذه المزايا ولا حسبوا لها حسابا فأحاطوها بما ذهب بفوائدها وعفى على آثارها من غوامض المسائل وغريب المباحث.
أذكر أني في مفتتح دراستي العربية أخذت هذه المقدمة «الآجرومية» وجلست إلى الشيخ لأقرأ، فقال لي: إن المتن المجرد عن الإعراب لا يفيدك الفائدة المطلوبة، وأخرج لي نسخة مخطوطة تشمل الصفحة منها على أسطر قليلة ذات كلمات متباعدة موشحة بتعاليق كثيرة على أوضاع خاصة وبأشكال مختلفة، فأعطانيها واندفع يسرد لي معنى البسملة بكلام طويل عريض لم أفهم منه إلا القليل، وأمرني باستظهار إعرابها: «الباء: حرف جر، واسم: اسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أبتدئ أو ابتدائي، وهو مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه وهو مجرور بالإضافة ... إلخ.» وكان اليوم الثاني، وكان الموضوع «الكلام» فاندفع يشرح لي معناه عند اللغويين والفقهاء والمتكلمين ثم النحويين بكلام غم علي أكثره، ثم أمرني باستظهار الكلام بتعريفه ثم إعرابه «الكلام: مبتدأ مرفوع بالابتداء - على الأصح - وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، «هو» ضمير فصل لا محل له من الإعراب ... إلخ.» وهكذا وجدتني تجاه عباب زاخر بمصطلحات لا أعرف لها أولا ولا آخرا: الحرف، الاسم، الجر، المجرور، المتعلق، المحذوف، المضاف إليه، الإضافة، النعت، التبعية، المبتدأ، الابتداء، الرفع، المرفوع، ضمير الفصل، الإعراب ... إلخ. ألفاظ اشتغل ذهني في أن يفرض لها معاني، فأخذ يصوغ ويكسر وبعد جهد جاهد لم يحصل إلا على الجمجمة والترجيم، ففزعت إلى شرح أستعين به فوقع في يدي شرح الشيخ خالد الأزهري ونظرت فيه، وإذا بي تجاه مشاكل جديدة: جنس، فصل، وضع نوعي، وضع شخصي، إلى أشياء من هذا القبيل لا يدركها إلا من ضرب بسهم في العربية وعلوم أخرى، وبالأخير هداني التسآل إلى شيخ نبيه فأرشدني إلى الاقتصار على فهم المتن وحده، ثم الرجوع إلى شرح مختصر مقصور على إيضاح المواد بأسهل العبارات.