تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي يظهر لنا أن الكثير من تلك المؤلفات وضعها مؤلفوها لتلاميذهم، وكانوا يقدرونها على استعدادهم ومؤهلاتهم تقديرا، فإذا أراد آخرون لم تتوفر فيهم تلك المؤهلات أن يقتطفوا مثل ما اقتطف أولئك من ثمارها أعياهم ذلك. وما قولك أن جمهرة المؤلفين في هذا الشأن من المعاصرين على شدة عنايتهم في صقل مؤلفاتهم ذهلوا عن هذا الأمر فوقعوا في المحظور التعليمي الذي وقع فيه من سبقهم، مع أنهم وضعوا كتبهم لتلاميذ لم تكن حصة العربية من وقتهم وعنايتهم إلا ضئيلة، فكان عليهم ألا يدخروا وسعا في التهذيب وحسن الترتيب والتبويب؟ نجدهم يقولون في مبادئ كتبهم مثلا: «الفعل المتعدي هو الذي ينصب المفعول به، والفعل المعلوم هو الذي يذكر فاعله»، مع أن الطالب لم يعرف شيئا من أمر: النصب، والمفعول به، والفاعل، وتفهيمها يتوقف على دراسة أبواب لم تزل معقودة في ناصية المستقبل.

يقال: ما العمل والأمر يقضي بإيضاح تلك المسائل، والإيضاح يتوقف على الاستعانة بهذه المصطلحات وإن لم يجر ذكرها بعد؟ فالجواب أنه لا يجوز التعرض لإيضاح مسألة ما إلا بعد إعداد العدة لها، وتوضيح العناصر اللازمة لإيضاحها قبل الإقدام عليه، فلا يبحث عن المتعدي واللازم مثلا إلا بعد معرفة النصب والمفاعيل، ولا عن المعلوم والمجهول إلا بعد معرفة الفاعل وما ينوب عنه. وبالجملة فإنه لا تجوز الاستعانة بمجهول لمعرفة مجهول آخر، بل يجب أن تكون الاستنارة بالمعلومات وحدها. (3)

الخلط بين مسائل هذا العلم ومسائل من علوم أخرى لا تمس الحاجة إليها، وليس في مقدور الطالب إساغتها وإدراك ما وراءها. هذا ديدن المتأخرين من الشراح والمحشين، مثال ذلك قول الشيخ خالد الأزهري في شرحه على الآجرومية: «والصحيح أن الكلام موضوع بالوضع النوعي»، ومن أين للمبتدئ أن يدرك مسألة كهذه عجز فحول علماء الوضع والأصول عن حلها حلا نهائيا؟ ويقول الشيخ المذكور في شرح أزهريته: «والمفرد ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف، لأنه لا يخلو إما أن يستقل بالمفهومية أو لا، الثاني الحرف. والأول إما أن يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة أو لا، الثاني الاسم والأول الفعل. والعناد حقيقي يمنع الجمع والخلو. وقد علم بذلك حد كل واحد منها للإحاطة بالمشترك وهو الجنس، وما به يمتاز كل واحد عن الآخر وهو الفصل.» ا.ه. بحروفه وهو كما ترى كلام مغلق، لا يعقله إلا من ضرب في علم المنطق بنصيب، وأنى للطالب المبتدئ ذلك؟! وفي مثل هذا الموطن يقول شارح القطر: «فإن علماء هذا الفن تتبعوا كلام العرب»، فينطلق المحشي يشرح لفظ العرب واشتقاقه وجموعه ومن هم العرب وأقسامهم ... إلخ، مما لا مساس له في الموضوع. ويأتي ذلك الشارح في باب العطف بشاهد على أن حتى لا تفيد الترتيب، وهو الحديث المأثور: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس»، فينطلق المحشي يوضح حقيقة القضاء والقدر وما بينهما من فرق أو عدمه، ويسرد في ذلك آراء المتكلمين من أهل المذاهب المختلفة. ويأتي الشارح بمثال للماضي المبدوء بالنون وهو «نرجست الدواء»، فينطلق المحشي يسرد خصائص النرجس الطبية وغيرها، ومما جاء في النرجس ... إلخ ص15.

نعم من الجائز أن يستعان في إيضاح مسائل من علم بمسائل من علم آخر، ولكن على شرطين؛ الأول أن تلك المسائل يتعذر أو يتعسر إيضاحها إلا بذلك، والثاني أن يكون الطالب على علم بتلك المسائل الخارجة عن علمه الذي هو بصدد دراسته. (4)

عدم الموازنة بين مقدرة الطالب وما يحشد له من عويص المسائل وسهلها، فإنك إذا تصفحت مبادئ الكتب التي وضعها المتأخرون للمبتدئين من المتعلمين تجد فيها معضلات المسائل محشورة إلى جانب السهل منها ... (5)

حشد القيود الكثيرة، والرموز العديدة في العبارة القصيرة، ولا سيما في التعاريف مما يتعسر بل قد يتعذر على الطالب تفلية تلك القيود واستخلاص المراد من كل منها. (6)

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٤٤