تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم لما ثبتت عنده بالتجربة فائدة هذه الطريقة عمد إلى توسيعها وتحسينها وصقلها وتهذيبها، فألف فيها كتابه «المغني» المار ذكره مرتبا على ثمانية أبواب، استوفى في الباب الأول منها شرح الأدوات الكثيرة التي تدور في الكلام مرتبة على حروف الهجاء، وشرح في الباب الثاني الجمل وأقسامها وأحكامها، وأوضح في الباب الثالث أحكام ما يشبه الجملة وهو الجار والمجرور والظروف، وبين في الباب الرابع أحكاما يكثر دورها ولا يجمل بالمعرب جهلها، وعقد الباب الخامس للجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، وكسر الباب السادس على التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها، وجعل الباب السابع لبيان كيفية الإعراب، والباب الثامن لأمور كلية يدخل تحتها ما لا يحصى من الأمور الجزئية.

هذه هي الطرق المشهورة البارزة، وإلا فإن المسالك كثيرة حتى يكاد يكون لكل مؤلف طريقة، بل لكل كتاب طريقة تختلف عن غيرها ولو من بعض الوجوه، ولكن العمود الأصلي ما ذكرناه من الطرق الأربع، وما عداها فإنه يرجع إليها من حيث المجموع وإن اختلف عنها بعض الشيء. (15) الصرف

أول من فصل الصرف عن النحو وصيره علما مستقلا هو معاذ بن مسلم الهراء المتوفى سنة 187ه.

ويذهب بعضهم إلى أن واضعه أبو عثمان المازني المتوفى سنة 229ه، والأول هو الصحيح.

ثم جاء أبو الفتح بن جني ففتح من هذه الصناعة مغاليقها، وسهل صعابها، ووسع رحابها.

ثم تتابع الناس في خدمة هذا الفن، فكتب ابن مالك كتابا فيه وشرحه فسماه «التعريف».

وكتب ابن الحاجب مقدمته المعروفة ب «الشافية»، وتكاثرت عليها الشروح والحواشي حتى صارت تعد بالعشرات، وكثير من شروحها مطبوع متداول، وقد طبعت لهذا العهد مجموعة تحتوي على طائفة من تلك الشروح والحواشي.

وكثير من المؤلفين يختمون كتبهم بأبحاث في التصريف، كما فعل ابن مالك في ألفيته والجلال السيوطي في كتابه «همع الهوامع»، على أن معظم أبواب التصريف منبثة في ثنايا كتب النحو لمكان الحاجة إليها هناك.

ومن الكتب الموجزة في هذا الفن: نزهة الطرف في علم الصرف للميداني، ومراح الأرواح لعلي بن مسعود، والعزى، والمقصود، وكل ذلك مطبوع متداول.

وللأعاجم ولوع في مدارسة هذا الفن لمسيس الحاجة بالنسبة إليهم، أما العربي فيعرف كثيرا من مسائله بمقتضى سليقته فلا يجد كبير فائدة بالمقدار الذي يجده الأعجمي، ولهذا قل المؤلفون فيه من أبناء العرب.

| بعض عاهات الكتب المتداولة في النحو لهذا العهد

لا نريد في هذا المقام أن نمعن في الاستقراء والاستقصاء، وكل ما نرمي إليه أن نلقي نظرة عجلى على جمهرة الكتب التي اتخذ منها المعاصرون مناهج لدراسة النحو في المدرسة القديمة أو الحديثة، ونشير إلى بعض العاهات التي منيت بها وغضت من شأنها في أنظار أبناء العصر، بل قللت الانتفاع بها إلا بعد الجد والكد والإسراف في الوقت، ويمكن إجمال البارز من تلك العاهات في النقاط التالية: (1)

الإيجاز الشحيح إلى حد الإخلال المقصود، ولا سيما في المتون التي وضعها المتأخرون وفي مقدمتهم الإمامان أبو عمر عثمان بن الحاجب وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك. وقد تبارى المؤلفون في هذا الشأن ولا تباري الفرسان في مضمار الرهان، يشبعون المعاني ويجيعون الألفاظ حتى تصاب بالهزال والبهر فلا تقوى على حمل ما أثقلت به من المعاني، فتحور إلى طلاسم ومعميات يتعذر على الطلبة الاستقلال بحل رموزها إلا بعد الفزع إلى المشايخ، ويتعسر على هؤلاء الكشف عن غوامضها إلا بعد الرجوع إلى الشروح والحواشي والتعاليق.

وقد نعى ابن خلدون على القوم طريقتهم هذه، وأفرد لذلك فصلا خاصا في مقدمة تاريخه قال فيه: «وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل ...» وقال: «قصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها ...»

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٤٢