وأول من فتح هذا الباب - فيما نعلم - يحيى بن معطي الزواوي المغربي المتوفى سنة 628ه، وكان لهذا الرجل عناية فائقة في نظم العلوم اللسانية فقد نظم أرجوزة في النحو أسماها «الألفية»، وشرح شواهد الكتاب نظما، ونظم كتاب الجمهرة لابن دريد، ونظم كتابا في العروض، ونظم الصحاح للجوهري ولم يتمه، وله منظومات في القراءات السبع، وهو الذي أوضح معالم هذه السبيل لمحمد بن عبد الله بن مالك الطائي المتوفى 672ه، فإن له في العربية منظومات قل أن جاراه فيها مجار في الأولين والآخرين، منها: أرجوزته الكافية الشافية في نحو سبع وخمسين وسبعمائة وألفي بيت، ومنها استخلص خلاصته المعروفة بالألفية وهي أجمل منظومة عرفها علم النحو، ومن منظوماته: لامية الأفعال، والمقصور والممدود، وله شروح على أكثر منظوماته. ومن أجل كتبه في العربية كتاب «الفوائد»، حشد فيه كل ما حوته مطولات الأقدمين من أبحاث النحو والتصريف، ثم لخص هذا الكتاب ورتبه أحسن ترتيب وأسماه «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد»، وهو كتاب جليل القدر إلا أنه موجز العبارة إلى حد الغموض في بعض المواطن، وله عليه شرح لكنه لم يتمه. وممن نظم النحو: حازم بن محمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة 684ه، نظم قصيدة على حرف الميم امتدح بها بعض أمراء المغرب قال في مطلعها:
الحمد لله المعلي قدر من علما
وجاعل العقل في سبل الهوى علما
وقد مرت بعض أبياتها في المسألة الزنبورية.
ومن المنظومات الموجزة في النحو: ملحة الإعراب لأبي محمد القاسم بن علي الحريري المتوفى سنة 516ه صاحب المقامات المشهورة. ومن مشهوري علماء العربية في صدر المائة السادسة محمود بن عمر الزمخشري صاحب المفصل.
واشتهر في هاتين المئتين جماعة لعبت أيدي الفتن في مؤلفاتهم فلم تبق منها إلا النزر اليسير.
ومن أشهر النحاة المبالغين في الإيجاز: أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة 646ه، له الكافية في النحو والشافية في التصريف، وله الأمالي النحوية، وله شرح الكافية وآخر للشافية، وشرح للمفصل وآخر للإيضاح وغيرها.
ومن مشهوري نحاة هذا العصر في الأندلس: علي بن مؤمن المعروف بابن عصفور الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة 669ه، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس، له كتب في النحو والتصريف ممتعة كانت عمدة من جاء بعده من النحويين، منها: المغرب وشرحه، ومنها الممتع وشرحه.
أما نحاة المائة الثامنة فأشهرهم: أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي المتوفى سنة 745ه، أحد أعلام العربية الذين استنارت بمعارفهم العصور المتأخرة، وهو أول من جسر الناس على مصنفات ابن مالك ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غوامضها، وشرح التسهيل شرحا مطولا أسماه «التذييل والتكميل» واختصره في كتاب جاء في سفرين أسماه «الارتشاف»، ولم يؤلف في العربية أحسن من هذين الكتابين من حيث الاستقصاء وإحصاء ضروب الخلاف، وله: التذكرة في العربية في أربعة مجلدات، وله شروح كثيرة وموجزات عديدة لكتب مختلفة.
ثم جاء علم الأعلام المدققين وعمدة النحاة المتأخرين: عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري المتوفى سنة 761ه، فسهل من هذا العلم موارده وقرب شوارده وذلل صعابه ومهد أبوابه، قال ابن خلدون: «ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه»، وقال في موطن آخر: «ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، استوفى فيه أحكام الإعراب مجملة ومفصلة، وتكلم على الحروف والمفردات والجمل، وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها، وسماه بالمغني في الإعراب، وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها، وضبطها بأبواب وفصول وقواعد انتظمت سائرها، فوقفنا منه على علم جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها، وكان ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني واتبعوا مصطلح تعليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه والله يزيد في الخلق ما يشاء.»