تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أفرد بعض العلماء مسائل الخلاف بين هذين الفريقين بالتأليف وأحصى في ذلك مائة مسألة ونيفا أوردها جلال الدين السيوطي في كتاب «الأشباه والنظائر النحوية».

ولما كان النحو ملازما لمتن اللغة لأن اللغة هي المحور الذي تدور عليه سائر العلوم اللسانية التي يعد النحو في مقدمتها، رأينا أنه قلما يتبحر عالم في النحو إلا وهو إمام في اللغة وبالعكس ... فإذا استعرضنا أولئك اللغويين الذين أومأنا إليهم في تاريخ علم اللغة فكأنما استعرضنا جماعة النحويين، ولهذا لا نرى حاجة إلى تكرار تلك الأسماء في هذا المقام إلا إذا دعت الضرورة كما سترى.

وما كاد ينطوي بساط القرن الرابع الهجري حتى أصبح النحو يعد في زمرة العلوم الناضجة، وقد تطورت حالته بتطور الحالة العلمية على وجه العموم.

وكان في مقدمة نحاة المائة الرابعة: أبو بكر بن محمد بن السراج البغدادي صاحب الأصول الكبير، وجمل الأصول، والموجز، وشرح كتاب سيبويه، وكان قد عول على الأخفش والكوفيين في كثير من المسائل، وكانوا يقولون: «كان النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله.» ومن أئمة هذه المائة أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الزجاج، وتلميذه أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي صاحب كتاب «الجمل»، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أحد علماء الحفاظ، قيل إنه كان يحفظ 300 ألف بيت من شواهد العربية، وهذا من المبالغة بمكان ولكنه على كل حال يدل على سعة حفظ الرجل. ومنهم أبو سعيد بن عبد الله السيرافي المتوفى سنة 318ه صاحب كتاب الإقناع، وله شرح لكتاب سيبويه من أجل الشروح قدرا وأعظمها فائدة.

ومنهم علي بن عيسى الرماني المتوفى سنة 384ه، أول من مزج النحو بالمنطق وألف كتاب الحدود وشرح أصول ابن السراج وكتاب سيبويه وله كتاب معاني الحروف وغير ذلك، ومنهم أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي صاحب التصانيف الكثيرة، منها: الإيضاح، التكملة، الحجة، التذكرة، المسائل الحلبية، والبغدادية، والقصرية، والنصرية، والشيرازية، والعسكرية، والكرمانية، والهيتية وغيرها ... ومن حسنات الفارسي بل من حسنات هذه المائة أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي المتوفى سنة 392ه، تلميذ الفارسي وأحد أعلام العربية الذين خدموها خدمة تذكر فتشكر، ومن تصانيفه: الخصائص في عدة مجلدات، وسر الصناعة، واللمع، وكان نسيج وحده في صناعة التصريف على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.

واتسعت دائرة النحو في المائة الخامسة وكثر النحاة واشتهر منهم جماعة كبيرة، من أشهرهم: عبد القاهر الجرجاني الإمام المشهور المبدع، له في النحو: المغني، والمقتصد في شرح الإيضاح، وله العوامل المائة وهو أول من أبدع هذه الطريقة في النحو، وله كتاب الجمل وله العمدة في التصريف.

ومن مشهوري هذا العصر: علي بن عيسى الربعي المتوفى سنة 420ه، أحد تلاميذ الفارسي الأفذاذ، وهو الذي قال له بعد أن لازمه عشر سنين: «ما بقي شيء تحتاج إليه، ولو سرت من المشرق إلى المغرب لم تجد أعرف منك بالنحو.» ومن هنا اتجهت الألفاظ إلى تخليص المسائل الكثيرة وتحريرها ولم القواعد المنتشرة وتلخيصها، وجمع ذلك في كتب مختصرة أسموها ب «المتون» ويستظهرونها بكل عناية، ولهذا اشتدت رغبتهم في الاختصار وإدخال المعاني الكثيرة تحت الألفاظ القليلة، وانجرت بهم الحال إلى المبالغة في الإيجاز بل كان كثيرا ما ينجر الأمر ببعضهم في هذا الباب إلى الإبهام والتعمية، وقد بلغ هذا الأسلوب من التأليف أبعد شأوه في المائة السادسة والتي بعدها، فقد نشأ في هاتين المئتين جماعة من فحول علماء العربية حبب إليهم التحرير والتهذيب وحسن الترتيب والتبويب، ثم منهم من كان يعنى بالاستقصاء والاستيعاب، ومنهم من كان يقتصر على المبادئ والأبواب التي لا بد منها تسهيلا للأمر على المبتدئين من المتعلمين، ولما كانت العناية متوجهة إلى تسهيل الحفظ وكان المنظوم أسهل حفظا من المنثور اتجهت أنظار بعضهم إلى نظم مسائل هذا العلم بأساليب مختلفة.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٣٨