وانتهت رئاسة الكوفية من بعد الكسائي إلى يحيى بن زياد الفراء، وكان أخذ علمه عن الكسائي وهو عمدته وأخذ عن أعراب وثق بهم وعن يونس من البصرية، وكان المأمون قد رسم أن تفرد له حجرة من حجر دار الحكومة ووكل به من يكفيه كل حاجته وعين له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين وأمره أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، فكان يملي والوراقون يكتبون حتى أتم تصنيف كتابه المعروف بكتاب الحدود وجمع فيه ستة وأربعين حدا في النحو وألف كتبا أخرى، وكان يتفلسف في تصانيفه، وكان الكوفية يلقبونه «أمير المؤمنين في النحو».
ولما أنشئت بغداد وصارت حاضرة الخلافة وعاصمة آل عباس وراجت فيها سوق الآداب، كان الكوفيون أسبق الناس إليها لمكانة الكوفة من بغداد من الوجهتين السياسية والجغرافية، ولهذا وجدنا أن علماء الكوفة اتصلوا بقصور الخلفاء والأمراء، واحتلوا الصدور من حلق تدريسها ومحافل آدابها، فكان الكسائي عند الرشيد والفراء عند المأمون بالمكانة السامقة، وكان مذهب الكوفية ما علمت من التساهل في التأصيل والتفريع، ومن ثم وجدنا تلاميذهم من البغداديين مولعين بالروايات الشاذة، يتفاخرون في النوادر ويتباهون بالترخيصات واعتمدوا على الفروع ولم يأبهوا للأصول، ومن هنا تولد مذهب مضطرب النواحي كثير التعاريج عرف بمذهب البغداديين، ولما كان هذا المذهب أحط من أبيه الكوفي طرحه الجمهور وما أقاموا له وزنا.
ثم تكاثر الناس حول موارد هذا العلم وازدحمت أقدامهم في جنباته، وتكاثرت فيه التصانيف ما بين مطولة ومختصرة، وبين عامة مشتملة على جميع أبوابه وخاصة مقتصرة على باب أو بضعة أبواب، وكثر الأخذ والرد بين أرباب المذاهب من البصرية والكوفية والبغدادية، وطال اللجاج وكثر الحجاج وتمطت الأبواب والفصول وانتشرت المسائل واشتبكت الفروع. وبينما الناس في هذه الضجة في المشرق، كان النشاط آخذا مأخذه في تكوين الدولة الأندلسية في المغرب، وقد أولع ملوك هذه الدولة واشتدت رغبتهم في تنشيط الحركة الأدبية وتعزيز جانبها، اقتفاء لآثار أوليهم في شاماتهم وإحياء لمآثرهم في أيام زهوهم ومباراة لأبناء عمهم في بغدادهم، فكان همهم تقريب أهل الأدب والحدب عليهم والحرص على تكريمهم وتبجيلهم، وقد أداروا لهم أخلاف النعم حافلة وخلعوا عليهم حلل الفواضل ضافية، مما زاد في إقبال الناس على المعارف يردون حياضها، ويرتشفون زلالها، ويرتادون رياضها، ويتفيئون ظلالها ... فأنجبت تلك المملكة جماعات من فطاحل علماء العربية، رجعوا إلى ما أصله العراقيون من الأصول وما فرعوه من الفروع فأطالوا النظر فيه، ووقفوا على ما بين البصرية والكوفية من خلاف ووفاق وما يستند إليه كل فريق من رواية ودراية، وتهيأ لهم ما لم يتهيأ لغيرهم من الاطلاع على مرويات المشارقة كلها من منظوم القول ومنثوره.
وكان جل اعتمادهم على مذهب البصرية، ومع ذلك فإنهم شقوا لهم طريقا واضحة تنسب إليهم، وهي من أقوم الطرق وأتقنها لأنها لم تنحرف عن البصرية إلا عندما تنحرف البصرية انحرافا لا تستسيغه الدراية ولا تدعو إليه الرواية.
ولم يزل هذا المذهب آخذا في التوسع مع تعهده بالصقل والتهذيب وحسن التفصيل والتبويب، إلى أن طغى سيل الإفرنجة على تلك الربوع وفجعت سماؤها بشموسها وأقمارها، فولى علماؤها وجوههم شطر المشرق وفضلوا الجلاء عن الأوطان على الوقوع في شباك الهوان، فتكاثر في المشرق عديدهم وازدانت مدارسه بمعارفهم، وأخذ مذهبهم يزاحم مذاهب المشارقة ولا سيما في دمشق والقاهرة، حتى احتل الصدور ولا سيما في العصور المتأخرة.
هذه المذاهب الأربعة هي المذاهب الكبرى في هذا العلم، وإليها المرجع في حل المشكلات وإيضاح المعضلات، وإلا فهناك مذاهب كثيرة يكاد عددها يتعسر على العادين إذ لكل إمام في الحقيقة مذهب خاص به يخالف فيه غيره ولو من بعض الوجوه، فلسيبويه آراء يخالف فيها شيخه الخليل، وللأخفش الأوسط آراء يخالف فيها شيخه سيبويه، وللفراء مذهب ينحرف عن مذهب الكسائي في غير ما موطن. وهكذا نجد لكل عالم من علماء العربية آراء تخصه تكثر أو تقل حسبما أوتيه من بسطة في العلم وقدرة على الإبداع، ولكن مرجع هذه المذاهب المختلفة إلى تلك الأمات الأربع، وأصول هذه الأربعة اثنان: البصرية والكوفية، أما مذهب البغدادية فمرجعه الكوفية وأما مذهب الأندلسية فمرجعه البصرية.