وإيضاح هذا أن العرب تقول: خرجت فإذا هاشم واقف أو واقفا، فالرفع على الخبرية وهو الأكثر، وعليه قوله تعالى:
هي حية تسعى ،
فإذا هي شاخصة أبصار ،
فإذا هي بيضاء للناظرين ،
فإذا هم خامدون ... والنصب على الحالية وهو قليل. وإذا قيل: خرجت فإذا هاشم الواقف وجب الرفع وامتنع النصب عند البصريين، لأن من شروط الحال عندهم أن تكون نكرة «والواقف» هنا معرفة، ومثل ذلك قولهم: «فإذا هو هي» فلا يجوز عندهم الإتيان بضمير النصب وهو «إياها» بدل ضمير الرفع وهو «هي» لأن «إياها» لا يصلح أن يكون حالا لأنه معرفة بل هو من أعرف المعارف، ولأنه غير مشتق وشرط الحال عندهم أن تكون مشتقة ...
أما الكوفيون فيستندون في قولهم هذا على السماع وإن كان قليلا، والبصريون يرجعون ما سمع من ذلك إلى ما اشترطوه بضروب التأويل، معروفة عندهم ومبثوثة في كتبهم.
ومن هذا تعلم أن سيبويه اعتمد في جوابه على قاعدة أهل بلده والكسائي انتصر عليه بسماعه عن أعرابه، وهذه المسألة هي المشهورة عند النحاة ب «الزنبورية»، وإليها أشار الأديب أبو الحسن حازم بن محمد الأنصاري الأندلسي المتوفى سنة 684ه في منظومته المشهورة:
والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا
إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما
وربما نصبوا للحال بعد إذا
وربما رفعوا من بعدها ربما
فإن توالى ضميران اكتسى بهما
وجه الحقيقة من إشكاله غمما
1
لذاك أعيت على الأفهام مسألة
أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما
2
قد كانت العقرب العوجاء أحسبها
قدما أشد من الزنبور وقع حما
3
وفي الجواب عليها هل إذا هو هي
أو هل هو إياها قد اختصما
وخطأ ابن زياد وابن حمزة في
ما قال فيها أبا بشر وقد ظلما
4
وغاظ عمرا علي في حكومته
يا ليته لم يكن في أمره حكما
5
كغيظ عمرو عليها في حكومته
يا ليته لم يكن في أمره حكما
6
والغبن في العلم أشجى محنة عرفت
وأبرح الناس شجوا عالما هضما
وهذه الحادثة أوضح مثال ينماز به أحد المذهبين عن الآخر، فإن البصري يبني قاعدته على الأغلب الشائع ويرمي ما وراءهما من الشاذ والنادر ناحية، أو يجتهد في إرجاعها إلى قاعدته بضرب من التأويل والتوجيه، أما الكوفي فيسمع الشاذ أو النادر ويجعلهما أصلا يقيس عليه غيره، فكثير مما يعتبره البصريون شاذا أو نادرا يعتبره الكوفيون قاعدة وأصلا، وبذلك تنتشر المسائل وتتسع دائرة الجواز. أضف إلى ذلك أن البصريين لا يعتمدون في التأصيل والتفريع إلا على العرب الموثوق بعربيتهم من الذين توقحت سلائقهم وابتعدت عن الحواضر مضاربهم، بخلاف الكوفيين فإنهم قد يعتمدون على من كان يجاور مصرهم من الأعاريب الذين خارت سلائقهم واختبلت ألسنتهم لكثرة تردادهم إلى الحواضر واختلاطهم بالأكرة من الأنباط. فالبصريون لا يرون الأعراب الذي يحكي عنهم الكوفيون حجة وكانوا يعيرونهم بهذا ويقولون لهم: «أخذتم عربيتكم عن باعة اللبن وأكلة الكوامخ، ونحن أخذنا عربيتنا عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع.» زد على هذا وذاك أن جماعة من رواة الشعر الكوفيين كانوا يصنعون الشعر وينسبونه إلى غير أهله، وعلى رأس هذه الجماعة المفتعلة حماد بن هرمز الديلمي اللحانة المصحف الكذوب، وكان النحاة من أهل الكوفة يعتمدون على هذا النوع من الشعر المختلط ويستشهدون به على تقرير قواعدهم وتأييدها، وهذا ما حمل البصريين على طرح نحو الكوفيين والاستخفاف به ، زيادة على اضطرام أوار المنافسة بين علماء المصرين من أول يوم. ولا يعلم أن أحدا من البصريين أخذ شيئا من النحو عن الكوفيين ولا روى عنهم شيئا من الشعر يعتمد عليه في الشاهد، إلا ما كان من أبي زيد الأنصاري البصري فإنه روى عن المفضل الضبي الكوفي لثقته في الشعر وأمانته ...
على أن البصريين في تحرجهم وكثرة تشددهم ضيقوا على العربية صدرها الواسع في كثير من المواطن التي تتطلب سعة وانبساطا، ولا يتسع هذا الباب للإفاضة في هذا، وسنفرد له فصلا برأسه في غير هذا المكان إن شاء الله تعالى ...