صلى الله عليه وسلم
وأصحابه وتابعيهم جعلهما الله ذخيرة لغيري يظهرها على يده ليذكر بها، ولقد صدق القائل: كم ترك الأول للآخر؟» يقول هذا وهو من هو في غزارة العلم وسعة الاطلاع وطول الباع في علوم الشريعة وفنون الآداب. (14) النحو
قلنا في تاريخ علم اللغة إن انبساط العرب في الأرض على عدان نهضتهم المعروفة دفع بلغتهم إلى الاحتكاك بلغات الأمم المختلفة، فأخذ اللحن يدب في عروقهم والعجمة تسري في أطرافها، وإن أول ما منيت به الاضطراب في إعرابها والاختلاف في نظام تركيبها، والإعراب أجمل حلية تتحلى به لغة مضر وأنفس أعلاقها وأجلى مميزاتها وأجل مفاخرها، فعز على أبنائها وذويها أن تصاب على مرأى منهم ومسمع وهم عنها لاهون، فهب فريق من عقلائهم وأهل المواهب فيهم حفزتهم الحمية القومية والغيرة الدينية والحنكة السياسية إلى بذل الجهد في نصرتها وتعزيز جانبها. وكان مجلي الحلبة في هذا المضمار أبو الأسود الدؤلي الكناني أحد أعلام التابعين، فعل ذلك بإشارة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان أبو الأسود من أعلام شيعته وأنصاره، فعمد أبو الأسود إلى ضبط بعض القوانين واستقراء بعض الأبواب، وكتب في ذلك صحيفته المعروفة عند النحاة ب «التعليقة»، وهي أول صحيفة دونت في علوم اللسان العربي.
واختلف الناس إلى أبي الأسود يتعلمون منه القواعد التي وضعها وأطلق عليها اسم «النحو»، وتخرج به في هذا العلم جماعة كان من أنبههم: ابنه عطاء، ويحيى بن يعمر العدواني، ونصر بن عاصم الليثي، وميمون الأقرن، وعنبسة بن معدان الفيل. ثم تخرج بهذه الطبقة جماعة وبهؤلاء آخرون على ما عرفناه في تاريخ علم اللغة. ولم يزل أمر هذا العلم في توسع إلى أن كان عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي فجمع متفرقه، وفصل قواعده، وأكمل أبوابه، وهذب مسائله، وبالجملة فإن الخليل يعد أمة في علوم اللسان العربي.
وأخذ النحو عن الخليل جماعة من أنبههم سيبويه، وقد ألف كتابه الذي أسماه «قرآن النحو»، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل، فإذا جاء في كتاب سيبويه لفظ «حدثني» أو «قال لي» أو «أخبرني» أو نحو ذلك من غير ذكر أحد فإنه يريد الخليل. (14-1) البصريون والكوفيون
إن أبا الأسود وإن كان كوفي المولد إلا أنه بصري النشأة، وفي البصرة وضع حجر الزاوية في أساس علم النحو، وكان تلامذته من أهلها وكذلك تلامذتهم، ولم يزل النحو ربيبا للبصريين ينتقل في حجور أئمتهم زمنا قبل أن عرفه الكوفيون ... وأول من عرف النحو من الكوفيين شيبان بن عبد الرحمن التميمي المتوفى سنة 164ه، وكان في الأصل من ثقات البصريين ولكنه هاجر إلى الكوفة واتخذها دار إقامة له، وهو من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء، ومن أخذ عن أبي عمرو من الكوفيين أبو جعفر الرؤاسي، وكان معظما عندهم وحجة لديهم، ويقولون إن كثيرا من علومهم وقراءاتهم مأخوذة عنه، وهو أول من وضع كتابا في النحو من الكوفيين وقد أسماه «الفيصل»، قيل: «إن كل ما في كتاب سيبويه من قوله: «وقال الكوفي كذا» إنما عنى به الرؤاسي هذا.»
وكان عمه معان بن مسلم الهراء معاصرا له وهو نحوي مشهور، وهو الذي أبدع التصريف على ما سوف تعلمه. وتخرج بهذين الإمامين جماعة أشهرهم وأنبههم علي بن حمزة الكسائي، وكان حضر في حلقة الخليل بن أحمد، وضرب في البوادي سنين كثيرة يأخذ عن أقحاح الأعاريب وفصحائهم إلى أن استوى إماما غير مدافع، وإليه انتهى علم العربية والقراءات بالكوفة، وهو الذي رسم للكوفيين الحدود التي احتذوا أمثلتها وخالفوا فيها البصريين وكان عندهم كالخليل عند البصريين، ومن هنا انماز نحو الكوفة عن نحو البصرة، وبدأ التدافع والتنازع بين الفريقين. ومن أشهر أمثلة ذلك المناظرة التي دارت بين إمامي المصرين الكسائي وسيبويه في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وتحرير الخبر: أن سيبويه قدم على البرامكة وافدا، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي فجعل لذلك يوما، فلما حضر سيبويه تقدم إليه تلميذا الكسائي خلف والفراء، فسألاه مسائل عن قول العرب: «وقد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟» فقال سيبويه: «فإذا هو هي، ولا يجوز النصب ...» وسأله عن أمثال ذلك نحو: «خرجت فإذا محمد القائم أو القائم؟» فقال سيبويه: «كل ذلك بالرفع»، وقال الكسائي: «العرب ترفع كل ذلك وتنصبه»، فقال يحيى البرمكي: «قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟» قال له الكسائي: «هذه العرب ببابك قد سمع منهم أهل البلدين، فيحضرون ويسألون» فأحضروا فوافقوا الكسائي.