خلف الأحمر البصري: كان راوية للأشعار ونقادة لها، وكان يعد من أضراب الأصمعي بل قيل هو معلم الأصمعي، وهو والأصمعي فتقا المعاني وأوضحا المذاهب وبينا المعالم، وكان الأخفش يقول إنه لم يدرك أحدا أعلم بالشعر من خلف والأصمعي. وكان خلف شاعرا حاذقا ماهرا في التقليد وقد وضع على كثير من شعراء العرب، فكان يضع على كل شاعر ما يتلاءم مع ألفاظه وأسلوبه ومعانيه فيشبه كل شعر يقوله بشعر الذي يضعه عليه، وقد أخذ عنه أهل البصرة والكوفة، ثم نسك في أخريات أيامه وأقر بما كان يضعه، فلم ينتفع بإقراره هذا من انخدع له في أول الأمر وبقي ما وضعه مبثوثا في الدواوين. وله من التصانيف كتاب جبال العرب وما قيل فيها من الشعر، وله ديوان شعر حمله عنه أنبه تلاميذه أبو نواس، وقد رثاه أبو نواس في حياته بأرجوزة منها:
أودى جماع العلم مذ أودى خلف
من لا يعد العلم إلا ما عرف
قليذم من العياليم الخسف
فكلما نشاء منه نغترف
رواية لا تجتنى من الصحف
وله فيه من قصيدة يرثيه بها في حياته أيضا:
وكان ممن مضى لنا خلفا
فليس منه إذ بان من خلف
وتوفي في حدود الثمانين والمائة. (5)
الخليل بن أحمد الفراهيدي: سيد أهل الأدب وإمام المصنفين في لغة العرب، وبه يبدأ الطور الثاني من أطوار الرواية المقرون بطور التأليف، وسوف نترجم له في غير هذا الموطن، ولكنا نقول هنا: إن الخليل أول من دون اللغة، ورتب ألفاظها على حروف الهجاء ترتيبا لم يسبق إليه في كتابه المسمى «كتاب العين»، وبكتابه هذا يفتح الطور الثاني وهو طور الرواية والكتاب. (9) طور الرواية والكتاب
نهج الخليل في جمع اللغة واستيعابها طريقة مبتكرة اخترعها لنفسه، واقتفى أثره فيها الجم الغفير ممن جاءوا بعده من اللغويين في ترتيب الحروف؛ منهجا خاصا لم يمش عليه الناس من بعده، وهو أنه رتبها على حسب ترتيب مخارجها الطبيعية مبتدئا من الحلق ذاهبا إلى اللسان فالشفتين، وجعل أولها العين ثم ما قرب مخرجه منها الأرفع فالأرفع حتى أتى على آخر الحروف.
إن للمؤلفين في اللغة أسلوبين: أحدهما يبتدئ باللفظ وينتهي بالمعنى والثاني بالعكس، مثال الأول ما إذا قيل: «القطار: عدد من الإبل مقطورة على نسق واحد، والقطر: النحاس، والقطر: الجهة والناحية، والقطر: المطر»، ومثال الثاني ما إذا قلت: «ولد الناقة يسمى الحوار، وولد الغزالة يسمى الخشف، والنوم الخفيف يسمى السنة»، فالذي يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى يرمي في الغالب إلى تسهيل إيضاح معاني الكلام على السامع والقارئ، فإن من سمع كلاما منظوما أو منثورا وغم عليه معاني بعض ألفاظه فإنه يرجع في إيضاح ذلك إلى المعاجم المؤلفة على الطريقة الأولى فيجد فيها ضالته، والذي يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ يرمي على الأكثر إلى تسهيل إنشاء الكلام على اللسان والقلم، فإن من تصور معنى أراد التعبير عنه وغاب عنه اللفظ الدال عليه يستعين على وجدانه بالكتب المؤلفة على الطريقة الثانية ، ومن ثم نجد أكثر الناس انتفاعا بهذه الكتب أولئك الذين يعنون بترجمة الكلام الأجنبي، لأنهم يجدون أمامهم من المعاني ما تحتاج إلى قوالب من ألفاظ لا تحضرهم فيرجعون إلى هذه الكتب ليهتدوا بها إلى بغيتهم.
وإنما ألمعنا إلى هذا التقسيم لنبين أن مصنفي اللغة في هذا الطور انخزلوا إلى فريقين: فريق سلك الطريق الأول وعلى رأسهم الخليل بن أحمد، وفريق سلك الطريق الثاني وعلى رأسهم الأصمعي وأبو زيد وأضرابهما. فالخليل بن أحمد أول من ألف في اللغة على الأسلوب الأول فهو أبو عذرته، نعم، لا ينكر أن بعض معاصري الخليل ألف بعض الشيء على هذا الأسلوب كأبي عبيدة فإنه ألف في غريب القرآن وغريب الحديث، ولكن تلك التآليف في مواضع خاصة وأبواب معينة وعلى غير ترتيب يعتد به، فهي عبارة عن مجموع مباحث مبعثرة لا يضبطها ترتيب ولا يؤلف بينها نظام، أما الخليل فإنه نزع إلى طريقة علمية لم يسبق إليها على ما ستقف عليه مفصلا عند الكلام على ترجمته.