فطور الرواية والكتاب يفتتح بذينك الأسلوبين من التأليف على ما عرفت، وقد رأينا أن نسمي الأسلوب الأول «المسلك اللفظي» لأن البدء فيه يكون بجانب اللفظ ومنه ينتقل إلى جانب المعنى، والأسلوب الثاني «المسلك المعنوي» لأن البدء فيه يكون بجانب المعنى ومنه ينتقل إلى جهة اللفظ.
وينفرع عن كل واحد من هذين المسلكين فروع كثيرة، رأينا أن نجملها في هذا المكان لئلا نضطر إلى الرجوع إليها في مكان آخر فتفكك عرى البحث وتتباعد أواصره. (9-1) فروع المسلك اللفظي
سلك المؤلفون في ترتيب الألفاظ مسالك شتى لاعتبارات مختلفة، فمنهم من وجه همه إلى ضبط اللغة وإحصاء كلمها والتمييز بين مستعملها ومهملها، كما فعل الخليل بن أحمد في ترتيب كتاب العين وتبعه أبو بكر بن دريد في جمهرته، وقد علمت أن الخليل ابتكر أسلوبا في إحصاء مفردات اللغة لم يسبقه إليه سابق، كما ابتكر طريقة خاصة في ترتيب حروف الهجاء تنكب فيها الطريق الأبجدي القديم والترتيب العلمي المعروف ومال إلى الترتيب المخرجي الطبعي على ما أشرنا إليه آنفا، وأما ابن دريد فإنه لم يزد على ما جاء به الخليل من الترتيب والتبويب شيئا يذكر ولذلك جاءت جمهرته مقاربة لكتاب العين على ما فيها من الفوائد والأوابد التي خلا منها كتاب العين.
وقد حذا حذو هذين الإمامين ثالث هو أبو غالب تمام بن غالب المعروف بابن التياني القرطبي المتوفى سنة 433ه، فإنه وضع كتابا أتى فيه على ما في كتاب العين من صحيح اللغة وزاد عليه ما زاده ابن دريد في الجمهرة، فصار كتابه هذا محتويا على الكتابين معا وسماه «فتح العين». وبعد، فنحن نلقب هذا الترتيب ب «ترتيب الخليل»، ويعتبر الفرع الأول من المسلك اللفظي، وآخر من سلك هذا المسلك - على ما نظن - أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده والمتوفى سنة 458ه، فإنه ألف كتابه «المحكم والمحيط الأعظم» على ترتيب كتاب العين.
ومن اللغويين من وجه نظره إلى ضبط مفردات اللغة مع الالتفات إلى تسهيل أمر الحصول على المقصود في المراجعة عند الحاجة، فرتب الألفاظ معتبرا أواخر حروفها الأصلية أبوابا وأوائل حروفها الأصلية فصولا، كما فعل الجوهري في كتابه «صحاح اللغة» وتبعه مجد الدين الشيرازي في قاموسه وتبعهما خلق كثير.
ومن طبيعة هذا الترتيب أن يتألف الكتاب من ثمانية وعشرين بابا، ينعقد كل باب منها من ثمانية وعشرين فصلا على عدد حروف المعجم حسب ترتيبها التعليمي المشهور «أ، ب، ت، ث ... إلخ» إلا أن يهمل في بعض الأبواب بعض الفصول لعدم ورود شيء فيها، فإذا طلبت كلمة استقرى أو تقرى أو القيروان مثلا فإنك تجدها كلها في فصل القاف من باب الواو لأن أصل مادتها «ق، و، ر»، وإذا طلبت السماء أو الاسم أو التسامي فإنك تجدها كلها في فصل السين من باب الواو لأنها كلها من مادة «س، م، و». ونحن نلقب هذا «بمسلك الجوهري» وهو الفرع الثاني من المسلك اللفظي. ومن المؤلفين من لم يلتفت إلى حصر المفردات بوجه، بل وجه كل عنايته إلى تسهيل الحصول على المقصود عند البحث والمراجعة، فبوب كتابه على ترتيب حروف الهجاء التعليمي واعتبر أصول أوائل الكلم أبوابا وما يليها من الحروف الأصلية ثم ما يثلثهما فصولا، فتجد كلمة أسد قبل كلمة أسر وهذه قبل كلمة أسف وهذه كلها قبل كلمة أشر لأن الشين بعد السين. وأول من سلك هذا المسلك في الترتيب - على ما أظن - أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة 310ه في كتابه «المجمل في اللغة»، وتبعه الزمخشري في كتابه «أساس البلاغة» وجاء بعده تلميذه ناصر بن عبد السيد المطرزي المتوفى سنة 610ه فألف كتابه «المغرب في لغة الفقهيات»، وسلك في ترتيبه مسلك شيخه في أساس البلاغة. وممن سلك هذا المسلك أحمد بن محمد المقري الفيومي المتوفى سنة 770ه في كتابه «المصباح المنير» في غريب الشرح الكبير، وعلى هذا المسلك سار المؤلفون من المعاصرين. والمؤلفون على هذا النمط يعتبرون من الكلمة حروفها الأصلية كما علمت فيضعون كلمة اتصل مثلا في باب الواو لأنها من مادة «و ص ل»، ومثلها اتأد واتسع واتكأ واتسق واتهم واتكل لأنها من مادة: «و أ د»، «و س ع»، «و ك أ»، «و س ق»، «و ه م»، «و ك ل»، ويضعون كلمة تترى في هذا الباب لأن مادتها «و ت ر». وفي هذا ما فيه من العسر على الذين لا علم لهم بمبادئ اللغة وأصول تصريفها، ولهذا نرى أن توضع المعاجم على أسلوب تكون العبرة فيه لحروف الكلمة كلها سواء في ذلك الأصلية والزائدة، وتوضع كلمة تترى مثلا في باب التاء والتاء وما يثلثهما، وكلمة اتقى في باب الهمزة والتاء وما يثلثهما وهكذا.