وإنما قدمنا هذه النبذة لنصل إلى نتيجة واضحة وهي أن المجتهدين من النحاة هم أنفسهم رواة اللغة الأولون، ومنزلة النحوي في النحو تابعة لسعة اطلاعه في اللغة، فليس من الغرابة بعد هذا أن تسمعوا في هذا الباب ذكر كثير من مشاهير النحاة الأقدمين، ذلك لأنهم لغويون قبل أن صاروا نحويين فقد روي أن غلاما كان يلم بأبي الأسود الدؤلي يتعلم منه، فتكلم يوما بكلمة لم يفهم أبو الأسود مراده منها فسأله عنها فقال الغلام: هذا حرف من العربية لم يبلغك، فقال أبو الأسود: لا خير لك في ما لم يبلغني منها يا بن أخي. فأبو الأسود وهو رأس النحاة كان من أوسع الناس معرفة في اللغة حتى إنهم زعموا أنه كان يجيب في كلها.
فأبو الأسود يعد رأسا في اللغويين كما يعد رأسا في النحويين على ما سيأتي من تاريخ علم النحو، ولم يطلق عليه المتقدمون اسم اللغوي لأن هذا اللقب لم يكن معروفا إذ ذاك وإنما شاع استعماله في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع عندما نضج كثير من فنون اللغة وتمايزت فروعها، ولذلك كانت شهرة أبي الأسود في النحو أوسع وصيته فيه أبعد إذ هو واضع أساسه ومقرر سماعه وقياسه، على أنه في علماء العربية طبقة برأسها وتخرج به جماعة أشهرهم: (1)
ولده عطاء، وكان من متقدمي تلاميذ أبيه. (2)
يحيى بن يعمر - على وزن يذهب - العدواني: كان من الأدباء المعروفين والرواة الأثبات المبرزين وهو مع ذلك فقيه ورع، تولى القضاء في خراسان على عدان قتيبة بن مسلم القائد المشهور، وتوفي سنة 129ه. (3)
نصر بن عاصم الليثي: تلقى القرآن والعربية عن أبي الأسود وكان من نبهاء أصحابه، وهو الذي روى عنه صحيفته في العربية المعروفة إذ ذاك بالتعليقة حتى قال بعضهم: إن أول إسناد علمي عرف في الأدب هو إسناد نصر هذا إلى أبي الأسود في تعليقته هذه، وقد ألف نصر كتابا في العربية لم يصل إلينا، وقال بعضهم إن نصرا أخذ العربية عن يحيى بن يعمر، وإليهما يرجع الفضل في إعجام الحروف الهجائية وترتيبها على النمط المعروف اليوم «أ، ب، ت، ث ... إلخ»، وكانت من قبل مهملة ومرتبة على النمط الأبجدي كما سنبينه في تاريخ الخط. وقد توفي نصر سنة 89ه. (4)
عنبسة بن معدان الملقب بالفيل: قالوا لم يكن فيمن أخذ عن أبي الأسود أبرع منه، حتى إن بعض تلاميذ أبي الأسود أخذ العربية عن عنبسة هذا لأنه رأس أصحاب أبي الأسود من بعده، وكان راوية للأشعار ظريفا فصيحا. (5)
ميمون الأقرن: أخذ العربية عن أبي الأسود ثم من بعده عن عنبسة الفيل، ورأس علماء العربية بعد عنبسة.
هؤلاء أنبه تلاميذ أبي الأسود الدؤلي ذكرا وأعلاهم شأنا، وإذا اعتبرنا أبا الأسود طبقة برأسها فإن خريجيه هؤلاء يعتبرون الطبقة الثانية.
وأشهر من تلقى العربية عن هذه الطبقة: (1)
عبد الله بن زيد بن الحارث الحضرمي البصري: قالوا ليس في أصحاب ميمون أحد مثل عبد الله هذا، وكان شديد التجريد للقياس وشرح العلل، وقد أملى كتابا في الهمز، وتوفي سنة 127ه عن ثمان وثمانين سنة. (2)
أبو عمرو بن العلاء بن عمار المازني: إمام البصريين في القراءات والعربية فهو أحد القراء السبعة المشهورين، وأعلم أهل زمانه في العربية والشعر ومذاهب العرب حتى نقل أبو الطيب اللغوي أن بعضهم كان يقول: لم يؤخذ على أبي عمرو بن العلاء خطأ في شيء من اللغة إلا في حرف واحد. وقد كتب الشيء الكثير من منثور اللغة ومنظومها حتى قيل إن دفاتره كانت تملأ بيتا إلى السقف، ولكنه تنسك في أخريات أيامه فأحرقها، وتوفي سنة 154ه أو 159ه. (3)
أبو سفيان بن العلاء: أخو عمرو بن العلاء، أخذ عمن أخذ أخوه من رجال الطبقة الثانية، وقد أخملته شهرة أخيه، وتوفي سنة 156ه.
وأشهر من تلقى اللغة وآدابها عن هذه الطبقة: (1)
عيسى بن عمر الثقفي: رأس المتقعرين من اللغويين، أخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن زيد الحضرمي، وروى عن رؤبة بن العجاج وجماعة آخرين، ولكثرة تعمقه في اللغة كان يغلب عليه الإغراب في الكلام، قيل إنه سقط ذات مرة عن حماره فاجتمع إليه الناس، فنظر إليهم مغضبا وقال: «ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة؟! افرنقعوا عني» أي ما لكم تجمعتم حولي كتجمعكم على مجنون تنحوا عني، فقالوا: إن شيطانه يتكلم بالهندية. وله أمثال هذا شيء كثير، وله في العربية كتابان: أحدهما سماه الإكمال، والثاني الجامع، والظاهر أنهما لم يعيشا طويلا على كثرة ثناء تلاميذه عليهما، قال الخليل: