تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا بد لنا قبل الخوض في المقصود أن نمهد له بعض التمهيد، فنقول: كان علماء العربية في بادئ الأمر يعتمدون في الجمع والنقل على الحفظ والرواية فحسب، ثم ما لبثوا أن انصرفوا إلى تدوين منقولاتهم ومروياتهم وتبويبها وتفصيلها وتهذيبها، ولكنهم كانوا مع ذلك لا يعتمدون على الأخذ من هذه المدونات بقدر ما يعتمدون على الحفظ والأخذ بالمشافهة والمدارسة فالعبرة عندهم للحافظة واللسان لا للدفتر والقلم، وقد غبروا على هذه الطريقة المزدوجة حينا من الدهر، ثم أخذ أمر الرواية يضعف شيئا فشيئا إلى أن صاروا يقتصرون على الأخذ من الكتب كما هي الحال لهذا العهد، ومن هنا تبين أن علم اللغة تقلب في ثلاثة أطوار: (1)

طور الرواية وحدها. (2)

طور الرواية والكتاب. (3)

طور الكتاب وحده.

ونحن نفرد لكل طور من هذه الأطوار بحثا برأسه. (8) طور الرواية الخالصة

قلنا إن أول طلائع الاختلال في اللغة المعربة إنما ظهرت في إعرابها، ونقول الآن: إن عاهة اللحن في كلام الموالي والمتعربين ومن خالط الأعاجم من العرب أو جاورهم نشبت منذ عصر البعثة النبوية حينما اعتنق الإسلام أناس يرتضخون لكنا شتى من بين رومية وفارسية وحبشية وغيرها، وقد رووا أن رجلا لحن بحضرة النبي

صلى الله عليه وسلم

فقال النبي

صلى الله عليه وسلم : «أرشدوا أخاكم فقد ضل»، وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلحن فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن «اضرب كاتبك سوطا واحدا»، ثم فشا اللحن في أخريات عهد الراشدين على أثر اتساع رقعة الفتوح وانتشار العرب في الأرض وتبسطهم في العمران، ولم يزل أمره آخذا بالاتساع ولا سيما في الحواضر الكبرى التي تحوي ألفافا من الموالي المتعربين وبعض الأعاريب الذين استخذت سلائقهم ولم تتوقح ملكة الفصاحة فيهم لأسباب اجتماعية أو جغرافية أو غيرها. وعند ذاك خشي عقلاء الأمة وأهل العلم منهم أن يتمادى أمر الاختلال والاضطراب في الألسنة فينتهي الأمر بفساد اللغة المعربة فسادا لا صلاح وراءه فينغلق أمر القرآن والسنة النبوية على الفهوم وينهار صرح اللغة وآدابها، ولا سيما بعد أن أصبحت لغة دينهم الذي أخرجوا به من الظلمات إلى النور، ولهذا شرعوا يستقرون الكلام ويستنبطون من مجاريه قوانين وضوابط وأصولا ينقاس عليها أشباهها ونظائرها، واصطلحوا على تسميتها ب «علم النحو».

ولا جرم أنهم عندما عمدوا إلى استنباط قوانين هذا العلم انجرت بهم الحال إلى استقراء الشيء الكثير من منظوم العربية ومنثورها، وقد امتطوا من ذلك غارب بحر عجاج لأن العربي بطبيعته من أثبت الناس حفظا وأقواهم حافظة، ولا سيما إذا عاش في بيئة تغمرها الأمية وألجأته الضرورة إلى استخدام لسانه وحده في أفانين المحاورات والمناظرات والمساجلات وسائر ضروب التعبير عما في مطاوي الضمير، ولهذا كان العربي يومئذ - كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين - كتابا أو جزءا من كتاب، وكانت كل قبيلة بذلك كأنها سجل زمني في إحصاء الأخبار والآثار، فالعربي بطبيعته وطبيعة بيئته ضابط لمآثره ومآثر قومه راو لما هو في سبيله من أمره وأمر عشيرته.

ومن هذا تعلم صحة ما قلناه من أن علماء العرب عندما انصرفوا إلى استخراج قواعد النحو وجدوا أنفسهم أمام بحر من منظوم القول ومنثوره.

وواضح أن النحوي لا يصل إلى استنباط قواعد النحو واستخراج مسائله إلا بعد البحث عن معنى ما يستعين به من منثور القول ومنظومه، لأن القواعد النحوية تابعة للموضوعات اللغوية فمعرفة معاني الكلام سابقة لاستخراج قوانين تركيبه وضبط قواعده، فالمعاني اللغوية أساس للقواعد النحوية ومن لم يكن متبحرا في معرفة موضوعات اللغة لا يتمكن من استخراج قواعدها وضبط أصولها، فالنحوي يجب أن يكون لغويا دون العكس لأنا نعرف لغويين كثيرين لا يعرفون إلا النزر اليسير من النحو، ونحن لا نعني في هذا المقام بالنحوي من يأخذ النحو عن المشايخ ومن الكتب بعد أن تم أمره ونضجت قواعده، بل نعني به أمثال أبي الأسود الدؤلي والخليل والكسائي وأضرابهم من الأئمة الذين وضعوا أساس هذا العلم واستنبطوا أصوله وفرعوا فروعه ورتبوا مسائله وبوبوها وفصلوها تفصيلا، وبعبارة أخرى نحن إنما نعني بالنحاة هنا أولئك المجتهدين الذين تم على يدهم إبداع هذا العلم وإنماؤه وتوسيعه وإنضاجه، لا المقلدين الذين لا شأن لهم إلا معرفة ما وضعه أولئك الأئمة ودرس ما قرروه، وعلى هذا لا مراء في أن أول واجب على من يتصدى للإمامة في النحو أن يتوسع في معرفة اللغة كل التوسع وإلا فإنه يكون مفلوج الاجتهاد.

تاريخ علوم اللغة العربية · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ علوم اللغة العربيةص ٢٠