تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلم في بغداد أكثر من الحصى عند جمرة العقبة، وأرخص من الصيحاني بالجابرة.

3

وكان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن بخواصها وتنبه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدمة فضله وعنوان عقله، ثم سأله عن الجاحظ فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه، والاقتباس من نوره، والاغتراف من بحره، وبعض القيام بمسائله، قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم والآداب، وإن وجده ذاما لبغداد غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن ... ولما رجع الصاحب بن عباد عن بغداد سأله الأستاذ ابن العميد عنها، فقال: «بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.»

4

شذور المنظوم: قال ابن زريق الكاتب:

سافرت أبغي لبغداد وساكنها

مثلا قد اخترت شيئا دونه الياس

هيهات بغداد والدنيا بأجمعها

عندي وسكان بغداد هم الناس

وقال منصور النمري:

ماذا ببغداد من طيب الأفانين؟!

ومن منازه للدنيا وللدين؟!

تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت

وجوست بين أغصان الرياحين

وقال عمارة بن عقيل اليربوعي:

أعاينت في طول من الأرض والعرض

كبغداد دارا؟! إنها جنة الأرض

صفا العيش في بغداد واخضر عوده

وعيش سواها غير صاف ولا غض

تطول بها الأعمار إن غذاءها

مريء وبعض الأرض أمرأ من بعض

قضى ربها ألا يموت خليفة

بها إنه ما شاء في خلقه يقضي

وقال السري الرفاء:

إذا سقى الله منزلا فسقى

بغداد ما حاولت من الديم

يا حبذا صحبة العلوم بها

والعيش بين اليسار والعدم

وقال سعد بن محمد بن علي الهمداني:

فدى لك يا بغداد كل مدينة

من الأرض حتى خطتي ودياريا

فقد طفت في شرق البلاد وغربها

وسيرت خيلي بينها وركابيا

فلم أر فيها مثل بغداد منزلا

ولم أر فيها مثل دجلة واديا

ولا مثل أهليها أرق شمائلا

وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا

وقال طاهر بن المظفر الخازن:

سقى الله صوب الغاديات محلة

ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر

هي البلدة الحسناء خصت لأهلها

بأشياء لم يجمعن مذ كن في مصر

هواء رقيق في اعتدال وصحة

وماء له طعم ألذ من الخمر

5

ودجلتها شطان قد نظما لنا

بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر

تراها كمسك والمياه كفضة

وحصباؤها مثل اليواقيت والدر

وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي:

بغداد دار لأهل المال طيبة

وللصعاليك دار الضنك والضيق

بقيت أمشي مضاعا في أزقتها

كأنني مصحف في بيت زنديق

والناس يرون أن في هذين البيتين حطا من مقام بغداد، وأنا أرى فيهما العكس؛ لأن البلد الذي يضيق على الصعاليك وأهل البطالة هو البلد الذي يملك من الحضارة قسطا وفيرا، وإنما يكثر الصعاليك في البلد الخامل. ويظهر لي أن هذا الفاضل ابتلي بداء الفقر فأعياه علاجه، مع أنه كان يتحلى بأدب رائع وفضل ناصع، فضاقت به مذاهبه وانزوت عنه مطالبه. وهو القائل:

متى يصل العطاش إلى ارتواء

إذا استقت البحار من الركايا؟!

ومن يثن الأصاغر عن مراد

وقد جلس الأكابر في الزوايا؟!

إذا استوت الأسافل والأعالي

فقد طابت منادمة المنايا

وقال الحكمي وهو في مصر يتشوق إلى بغداد:

ذكر الكرخ نازح الأوطان

فصبا صبوة ولات أوان

ليس لي مسعد بمصر على الشو

ق إلى أوجه هناك حسان

نازلات من الصراة فكرخا

يا إلى الشط ذي القصور الدواني

إذ لباب الأمير صدر نهاري

ورواحي إلى بيوت القيان

وقال شاعر العصر الرصافي من قصيدة عنوانها «سوء المنقلب»، نظمها على أثر طغيان المياه في بغداد:

بغداد حسبك رقدة وسبات

أو ما تمضك هذه النكبات

ولعت بك الأحداث حتى أصبحت

أدواء خطبك ما لهن أساة

ومنها:

إن البلاد إذا تخاذل أهلها

كانت منافعها هي الآفات

تلك الرصافة والمياه تحفها

والكرخ قد ماجت به الأزمات

سالت مياه الواديين جوارفا

فطفحن والأسداد مؤتكلات

وقال عندما كانت الحكومة العثمانية ترسل جنودها إلى نجد على عهد الحكم الحميدي:

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٦