تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن الجهل قذاف الجواهر مفضال

وأما قول ابن الوردي:

وفي بغداد أقوام كرام

ولكن بالسلام بلا طعام

فما زادوا صديقا عن سلام

لهذا سميت دار السلام

فلم يحمله عليه إلا المجانسة بين السلام والسلام، فإن الرجل كان مولعا بهذه الضروب من البديع يصطادها أينما وجدها، وإلا فإنه لم يزر بغداد ولا خبر شيئا من طبائع أهلها. ومن بديع ما يرتبط بهذه الحكاية قوله:

مر بنا مقرطق

ووجهه يحكي القمر

هذا أبو لؤلؤة

منه خذوا ثار عمر

مع أن الشيخ عمر بن الوردي من أبعد الناس عن الاتصال بالغلمان، وما حمله على هذا الكلام إلا ولعه بالتورية. (5)

الفصاحة:

للبغداديين - ولا سيما الخاصة منهم - المقام الأول في فصاحة الألسن ونصاعة البيان، لا يدانيهم في ذلك إلا أهل نجد وعالية الحجاز، ولله أبو العلاء حيث يقول:

وما الفصحاء الصيد والبدو دارها

بأفصح قولا من إمائكم الوكع

وقال أخو همدان من أبيات:

فلم تر عيني مثل بغداد منزلا

ولم تر عيني مثل دجلة واديا

ولا مثل أهليها أرق شمائلا

وأعذب ألفاظا وأحلى معانيا (6)

حسن المناظرة:

كانت مجالس المناظرة تعقد في بغداد في مختلف الفنون، وكان الناس يهرعون إليها؛ ليطلعوا على ما يدور فيها من حسن الحوار واحتكاك الأفكار بالأفكار. وكان الأدب الرائع يسود تلك المجالس، والدقة في البحث تخيم عليها:

أدرتم مقالا في الجدال بألسن

خلقن فجانبن المضرة للنفع

2 (7)

الجد والجلد في طلب العلوم:

كان البغداديون موصوفين بالجلد والجد في طلب العلم على اختلاف ضروبه وتنوع فروعه، وقد كان سفيان بن عيينة كثير الثناء على شباب البغداديين وشدة رغبتهم في طلب العلم، ويفضلهم على شباب البلاد الأخرى التي عرفها في زمانه. وقال ابن علية: «ما رأيت قوما أحسن رغبة ولا أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد.» وقال ابن عائشة: «ما رأيت أحسن من تلقف أصحاب الحديث ببغداد للحديث.» (8)

العصبية الوطنية:

كان البغداديون لا يرون بلدا من بلاد الله يساوي بلدهم أو يدانيه، وكان أحدهم إذا فارق بغداد لا ينفك يحن إليها ويذكر مباهج جانبيها، مما لو جمعنا بعضه لحصل لدينا باب من الأدب طريف، وغرض من أغراض الشعر شريف:

أستودع الله في بغداد لي قمرا

بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

ودعته وبودي لو يودعني

صفو الحياة وأني لا أودعه

قال ابن جبير في رحلته عند الكلام على بغداد يصف أهلها: «قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود كله يصغر بالإضافة إلى بلده، فهم لا يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادا أو عبادا سواهم.»

شذور من أقوال أهل الفضل فيها نظما ونثرا

لو حاول أديب أن يجمع ما ورد من ثناء أهل الفضل على بغداد نثرا ونظما لحصل بيده مجموع طريف في بابه، وقد رأينا أن نحلي مختصرنا هذا بشذور من ذلك لتكون كالنموذج لما وراءها.

شذور المنثور: قال الإمام الشافعي ليونس بن عبد الأعلى: «يا يونس، أدخلت بغداد؟» قال: لا. قال: «ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس.» وكان الشافعي يقول: «ما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا، إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا.» وقيل لأحد الفضلاء: كيف رأيت بغداد؟ قال: «الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها.» وكان أبو بكر بن عياش يقول: «الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة لعظماء الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا.» وقال أبو معاوية: «بغداد دار دنيا وآخرة.»

وكان يقال: «من محاسن الإسلام يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطرسوس.» وكان يقال: «يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد.»

وقال الجاحظ: «الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والخير ببغداد، والتجارة بمصر.»

وقال أبو القاسم الديلمي: «سافرت الآفاق ودخلت البلدان من حد سمرقند إلى القيروان، ومن سرنديب إلى بلد الروم، فما وجدت بلدا أفضل ولا أطيب من بغداد.» وقال أبو القاسم عبيد الله بن علي الرقي: «أخذ أبو العلاء المعري وهو ببغداد يوما يدي فغمزها، ثم قال لي: يا أبا القاسم هذا البلد العظيم لا يأتي عليك يوم وأنت به إلا رأيت فيه من أهل الفضل من لم تره فيما تقدم.» وجاء في بعض رسائل أبي العلاء:

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٥