إليك إليك يا بغداد عني
فإني لست منك ولست مني
ولكني وإن كبر التجني
يعز علي يا بغداد أني
أراك على شفا هول شديد
تتابعت الخطوب عليك تترى
وبدل منك صفو العيش مرا
فهلا تنحبين فتى أغرا؟!
أراك عقمت لا تلدين حرا!
وكنت لمثله أزكى ولود
أقام الجهل فيك له شهودا
وسامك بالهوان له السجودا
متى تبدين منك له جحودا؟!
فهلا عدت ذاكرة عهودا
بهن رشدت أيام الرشيد؟!
زمان نفوذ حكمك مستمر
زمان سحاب فيضك مستدر
زمان العلم أنت له مقر
زمان بناء عزك مشمخر
وبدر علاك في سعد السعود
برحت الأوج ميلا للحضيض
وضقت وكنت ذات علا عريض
وقد أصبحت في جسم مريض
وكنت بأوجه للعز بيض
فصرت بأوجه للذل سود
حكومة شعبنا جارت وصارت
علينا تستبد بما أشارت
فلا أحدا دعته ولا استشارت
وكل حكومة ظلمت وجارت
فبشرها بتمزيق الحدود
وقال الأستاذ الزهاوي - عليه الرحمة - قبل الدستور العثماني من قصيدة عنوانها «أيام بغداد»:
أتعود بعد تصرم ونفاد
أيام بغداد إلى بغداد؟!
كانت محطا للعلوم وأهلها
وقرارة للمجد والأمجاد
اليوم هاتيك العلوم جميعها
مدفونة بمقابر الأجداد
أيام مد الأمن وارف ظله
فيها فكانت جنة المرتاد
أيام بغداد تضيء جميلة
فتلوح مثل الكوكب الوقاد
ولبحتري العصر بمصر الأستاذ علي الجارم بك من قصيدة عصماء، أنشدها عند افتتاح المؤتمر الطبي سنة 1938 ببغداد:
بغداد يا بلد الرشيد
ومنارة المجد التليد
يا بسمة لما تزل
زهراء في ثغر الخلود
يا سطر مجد للعرو
بة خط في لوح الوجود
يا راية الإسلام وال
إسلام خفاق البنود
وهي قصيدة بارعة كل أبياتها غرر.
| خلاصة التاريخ السياسي لبغداد
تسهيلا للبحث رأيت أن أقسم التاريخ السياسي لهذه المدينة إلى ثلاثة أبواب:
الباب الأول:
العهد العباسي؛ ويبتدئ بإنشاء بغداد وينتهي بسقوطها بأيدي المغول.
الباب الثاني:
العهد المغولي وما أعقبه من تطورات إلى عهد الاحتلال الإنكليزي.
الباب الثالث:
الاحتلال الإنكليزي وما أعقبه من تطورات.
| الباب الأول
العهد العباسي
إن تاريخ بغداد السياسي هو تاريخ الخلافة العباسية، إن لم نقل تاريخ العالم الإسلامي خلال القرون الخمسة من سنة 150ه إلى 656ه، وكل أثر لهذه الدولة في تكييف الأحداث وتوجيهها يمكن أن ينسب إلى هذه المدينة ويتصل بتاريخها. وبما أن تاريخ تلك الدولة ينقسم إلى عدة أطوار تتمايز بخصائص وتصطبغ بأصباغ مختلفة، رأينا أن نوزع هذا الباب إلى خمسة فصول.
الفصل الأول
| طور العظمة والازدهار (145-247)
تولى الخلافة في هذا الطور تسعة من الخلفاء، أولهم المنصور وآخرهم المتوكل، ستة منهم اتخذوا بغداد عاصمة لهم، وثلاثة انتقلوا إلى سامراء فاتخذوها مقرا؛ وهم: المعتصم، والواثق، والمتوكل. وقد كان الخلفاء في هذا الطور مصدر السلطات كلها من عسكرية وقضائية وإدارية، فإن المنصور عندما انتقل إلى بغداد كان قد قضى على منافسيه من العباسيين والعلويين، ومن القواد المدلين بخدمتهم المتعاظمين بنفوذهم، وتفرغ بعد هذا للإصلاح الداخلي، فاستتب الأمن في طول البلاد وعرضها، واتسع العمران، وأقبل الناس على طلب العلوم من شرعية ولسانية وكونية، فاتسعت رقعة بغداد وازدحمت بالسكان.
وأهم مناصب الدولة في العاصمة: الوزارة، والحجابة، والكتابة، ورياسة الشرطة، والقضاء.
وهناك منصب كبير له شأنه العظيم في سياسة الدولة وعظمتها؛ ذلك هو قيادة الجيش، وكان هذا المنصب يعتبر في الذروة من مهام الخلافة، وكان الخليفة هو القائد الأعظم للجيش، وهو الذي يصرف أموره وينظم شئونه، وكان إليه أمر عقد الألوية، وتعيين القواد، وتوزيع الجيوش على الثغور والأطراف. وفي الأطراف منصب مهم هو منصب صاحب البريد، ومهمته نقل كل ما يحدث من الأحداث، وما يشيع من الأخبار، وما يقوم به الولاة من الأعمال، وما يصدر من القضايا عن القضاة، وما يحصل من الجبايات وبيان الأسعار، إلى غير ذلك.