تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا ابن حرب كسوتني طيلسانا

أمرضته الأوجاع فهو سقيم

وإذا ما رفوته قال سبحا

نك محيي العظام وهي رميم!

وقال:

يا ابن حرب كسوتني طيلسانا

مل من صحبة الزمان وصدا

طال ترداده إلى الرفو حتى

لو بعثناه وحده لتهدى!

ومن هذا القبيل تندره في شاة سعيد التي بعث بها إليه، فملأ الدنيا شعرا بوصفها.

وشيء آخر طرأ على أغراض الشعر في بغداد، وهو رثاء الأئمة الذين رحلوا إلى جوار ربهم منذ أمد بعيد، وكان الشعراء من قبل يقصرون الرثاء على الأموات في حرارة المصاب ... ومن طريف ما يحكى في هذا الباب أن أحد الأدباء وقف عند بعض الشعراء على قصائد يرثي بها رجالا لا يزالون على قيد الحياة، فقال له: ما هذا؟! قال: إن هؤلاء لا بد أن يموتوا ويريد أهلوهم أن نجيد في رثائهم على البديهة وهو أمر صعب؛ ولذلك أعددت هذه المراثي لهم منذ الآن.

هذا أهم ما جد في بغداد من أغراض الشعر وفنونه، أما في أوزانه وقوافيه فيمكن إجمال ما جد فيهما في بغداد بما يلي: (1)

إحداث المزدوج، وهو جعل كل شطرين على قافية واحدة، وقد أكثر منه أبان بن عبد الحميد اللاحقي وأبو العتاهية الغزي وقد مر مثاله. (2)

الإكثار من النظم في البحور التي كان الأقدمون لا يطرقونها إلا قليلا، كالمضارع والمقتضب، وأكثر من سلك ذلك أبو العتاهية وابن المعتز. (3)

النظم على أوزان ولدها الخليل من أوزان الشعر الأصلية، وزاد عليه فيها بعض العروضيين. (4)

النظم على أوزان اخترعها بعض قدماء الشعراء في بغداد؛ كمسلم بن الوليد وأبي العتاهية وأبي نواس.

وفي بغداد اخترع المواليا، اخترعته بعض فتيات البرامكة على أثر نكبتهم، وتبعها الناس فيه. وكذلك اخترع الناس أوزانا كثيرة، ولكنها كانت تنظم بألفاظ وأساليب هي إلى لغة العامة أقرب منها إلى اللغة المعربة.

أما الموشحات فإنها من مخترعات الأندلسيين، وعنهم أخذها أهل المشرق في أواخر زمن بني العباس.

ولم يزل أمر الشعر في بغداد تقليديا إلى أن ظهر الشعراء المعاصرون، وفي طليعتهم الأستاذان الفاضلان معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، فانتقلا بالشعر إلى سننه القويم، واتخذا منه خير أداة لتصوير الأفكار العصرية ودقيق الإحساسات النفسية، كما اتخذا منه وسيلة لتسجيل الأحداث المهمة والكوارث الملمة، فإذا أنت تصفحت ديوان الرصافي اليوم تجده أصدق سجل لما عانته بغداد في زمانه من آلام وما تطلعت إليه من آمال، وما ألم بالعراق خاصة وببلاد العرب عامة من أفراح وأتراح، وما قاسته الأمة من أهوال وما تقلبت فيه من أحوال، يندب ماضيها الداثر، وعزها الغابر، كما يتوجع لما تقاسيه من خيبة الآمال في عصرها الحاضر، ويهيب بأبنائها ألا يقعدوا عن ضيم، ولا يستنيموا لمكروه. وكذلك فعل الأستاذ الزهاوي؛ فإنك إذ تصفحت شعره وجدت أنه يريد أن يدفع بالأمة إلى كل جديد، ويريد منها أن تسلك إلى الحضارة كل طريق.

ولما انبثق فجر النهضة الحديثة وجدت بغداد من هذين اللسانين خير أداتين لإنهاض الهمم، وشحذ العزائم، وإلهاب جذوة الحماسة في النفوس.

هذا ولا يمكن أن تنسى بغداد أولئك الأفاضل الذين رفعوا لواء الشعر على ضفاف الفرات حينا من الدهر، ثم انتقلوا به إلى ضفاف دجلة، فكان لهم فيها قدم صدق. ويأتي في الطليعة منهم الشيخ محمد رضا الشبيبي، وأخوه الشيخ محمد الباقر، والشيخ علي الشرقي، ومحمد المهدي البصير، ومحمد المهدي الجواهري. ولا يفوتنا أن نذكر بالإكبار الشيخ عبد الحسين الأزري الذي آزر النهضة الحديثة بقصائده المأثورة في مواقفه المشهورة، والأستاذ الصافي نزيل دمشق.

سانحة

وللحياة العقلية في مدينة السلام شرح يطول، وتاريخ تزدحم فيه الأبواب والفصول، وما ذكرناه إنما هو من قبيل الإلماع والإيماء، وما هو في واقع الأمر إلا بمثابة زهرات من روض أريض، وجولة قصيرة المدى في مجال طويل عريض. وفي رأينا أن التاريخ العقلي هو التاريخ الحي الخالد الذي يحمل معه الشاهد، وما سواه من التاريخ فأكثره يدور على الاعتزاز بالجيوش، وقتل النفوس، وثل العروش، والتحكم في الرقاب، ومصادرة الحريات، واجتراح الموبقات، واقتراف المخزيات، والتكالب على الحطام، والتغالب على السلطان الزائل، والجاه الزائف. أما ثمار النهى ونتاج الأفكار فإنها الوجه المشرق من التاريخ الذي ينير للإنسانية منهاجها، ويصف لها علاجها، ويسمو بها إلى مثلها العليا ومراتبها القصوى.

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٣٩