ذهبت فتوحات الإسكندر وذهبت معها معالمها وآثارها، وبقي منطق أرسطو حيا على الدهر، ينير العقول ويغذي النفوس، وطمست الأيام معالم مدينة السلام؛ فمحت آثار قصور المنصور والأمين والمأمون، وبقي فقه ابن ثابت وابن حنبل يقتطف منهما العباد زاد المعاد، ويعتمد عليهما الحكام في ديار الإسلام، في ضبط مقاييس الفصل بين الخصوم، وإقامة موازين العدل بين الناس. وطاحت الطوائح بتلك الثروات الطائلة، والرياش الفاخرة، والنعيم الوارف الظلال، أما الثروة العقلية فقد صارعت الأيام، وغالبت الأحداث، وناهضت الكوارث، ودافعت المصائب حتى كتب لها الظفر، وكان الغلب؛ فعاشت على الرغم من أنف الزمن تتلألأ نورا وتتيه جمالا وجلالا؛ فالكثير من آثار أولئك العلماء والأدباء والحكماء من البغداديين لا يزال زينة هذه الحياة وجمالها وزهرتها، وسيبقى خالدا على الزمن ما بقي اللسان المبين غذاء للعقول الراجحة، ودواء للأهواء الجامحة، ورواء للنفوس الظامئة، ومعراجا للعزائم الماضية والهمم العالية والأرواح الصافية.
بغداد مدينة السلام · الصفحة ٤٠
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
بغداد مدينة السلامص ٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي