على أن عشاق الفضيلة وأهل التقوى لم يعدموا من يطربهم ويجتذبهم إليه بشعره ويسترق قلوبهم ببارع سحره، فقد فتح فريق من شعراء بغداد باب الزهد والوعظ والإرشاد وتفننوا فيه، وتطرقوا إلى ترصيعه بالحكم والأمثال، وعلى رأس هذه الفئة أبو العتاهية وأبان بن عبد الحميد اللاحقي، وتبعهما الكثيرون من الشعراء، حتى إن الحسن بن هانئ المعروف بنزعته لم يخل شعره من نفحات زهدية وعظات صوفية؛ كقوله:
ما بال دينك ترضى أن تدنسه
وثوبك الدهر مغسول من الدنس؟!
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس!
وكثيرا ما اقتبس الصوفية شعر المجان من الشعراء وحوروا معناه إلى أغراضهم النبيلة؛ فهذا ماجن يشبب بغلام يقول:
إن بيتا أنت ساكنه
غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا
يوم تأتي الناس بالحجج
فانتزعته بعض الصوفية وقلب معناه إلى مناجاة الحق - عز وجل - ووضع كلمة «الميمون» بدل «المأمول» ورمز بالبيت إلى القلب. والكثير مما يتغنى به الصوفية في خلواتهم وجلواتهم من هذا القبيل. على أن للصوفية أنفسهم شعرا يكاد يذوب رقة ولطفا، يرمزون فيه إلى أغراض خاصة بهم، ومقاصد يعسر شرحها على غيرهم، وهذا الضرب من الشعر لا عهد للعرب به إلا بعد أن مصرت بغداد، وكثر فيها العباد والزهاد. وفي بغداد توسع الشعراء في صب المعاني الفلسفية في قوالب شعرية، ومن أشهر المتقدمين في ذلك صالح بن عبد القدوس، وعلى هذه السنة جرى أبو العتاهية في كثير من شعره، ولا سيما في مزدوجته المشهورة التي يقول فيها:
إن الشباب حجة التصابي
روائح الجنة في الشباب
إن الشباب والفراغ والجده
مفسدة للمرء أي مفسده
ومن مشاهير البغداديين الذين سلكوا هذا السبيل الحسين بن عبد الله المعروف بابن شبل
1
البغدادي المتوفى سنة 474، وله في ذلك مطولات ومقطعات بارعة جدا، فمن مطولاته قصيدته التي مطلعها:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا المسير أم اضطرار؟!
ومنها قصيدته الهمزية التي يقول فيها:
صحة المرء للسقام طريق
وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحيا
أقتل الداء للنفوس الدواء
قبح الله لذة لأذانا
نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفق
د فإيجادنا علينا بلاء
وقد جال أبو العلاء المعري في هذا الميدان جولان فارس ماهر، فبز من سبقه وأعجز من لحقه، ولم يركب هذه الطريق ركوبا جديا إلا بعد رجوعه من بغداد، فهل لبغداد أثر في نزعته هذه؟
وآخر من علمناه سلك هذه الطريق من البغداديين في عهد بني العباس عبد الحميد المعروف بابن أبي الحديد المتوفى عام 655، شارح نهج البلاغة، ومما ينسب إليه في هذا الباب قوله:
تاه الأنام بسكرهم
فلذاك صاحي القوم عربد
من أنت يا رسطو ومن
أفلاط قبلك يا مبلد؟!
ما أنتم إلا الفرا
ش رأى السراج وقد توقد
فدنا فأحرق نفسه
ولو اهتدى رشدا لأبعد
وأهم ما حظي به الشعر من التجديد في بغداد انصراف الفحول من الشعراء عن الوقوف على الديار والبكاء على الأطلال إلى وصف الأنهار والأشجار والأزهار والثمار ومجالس اللهو واللعب وضروب الأنس والطرب، وإمام هذه الجماعة الحسن بن هانئ، فإنه كان يرى من النقص أن يفتتح الشاعر شعره - وهو في بغداد بين الأنهار والأشجار - بالوقوف على الطلول المحيلة والآثار الطامسة، ويرى من الواجب على الشاعر أن يكون واقعيا، يصف شعوره وإحساساته وخلجات نفسه ويصورها تصويرا بارعا تهتز له النفوس، فكأنه يسحرها أو يسكرها؛ لأنه يصور لها ما تحن إليه وتحنو عليه، قال:
صفة الطلول بلاغة القدم
فاجعل صفاتك لابنة الكرم
وقال:
عاج الشقي على رسم يسائله
وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد
لا در درك قل لي من بنو أسد؟
وقد تبعه في مذهبه هذا خلق كثير، فانصرفوا إلى وصف المشاهدات من مظاهر المدنية؛ كالقصور والأنهار والحياض والرياض والسفن ومجالس القصف ... إلخ. وأشهر من جال في هذا الميدان ابن المعتز والصولي وابن الرومي. ونشأ شعراء اتخذوا من الأحداث التافهة موضوعات أطنبوا في شرحها وأسهبوا في وصفها، فعلوا كل ذلك للإضحاك والإيناس، كما فعل أبو دلامة في وصف بغلته الخبيثة الطباع، وكما فعل الحمدوني في وصف طيلسان ابن حرب. وخلاصة القصة أن محمد بن حرب أهدى الحمدوني طيلسانا خلقا؛ فأخذ يصفه ويتندر فيه، حتى قال فيه قرابة مائتي مقطوعة لا تخلو واحدة منها من معنى بديع، منها قوله: