تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الركون إلى الأنيس من الألفاظ وهجر الغريب والحوشي منها، فبعد أن كان ابن الجاهلية يستسيغ قول القائل:

وليلة نحس يصطلي القوس ربها

وأقطعه اللاتي بها يتنبل

دعست على غطش وبغش وصحبتي

سعار وإرزير ووجر وأفكل

أصبح ابن بغداد يتغنى بمثل قول الحكمي:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء

وداوني بالتي كانت هي الداء (2)

الإكثار من الألفاظ الدخيلة، ولا سيما الدالة على أنواع الخمور وضروب الأزهار وأصناف الأطعمة. (3)

استعمال مصطلحات العلوم التي كثرت في هذا العصر. (4)

الاهتمام بالمحسنات البديعية اللفظية منها والمعنوية؛ كالجناس والتورية ورد العجز على الصدر والطباق. وأكثر الشعراء ولوعا بهذه المحسنات: مسلم بن الوليد، وأبو تمام، وعبد الله بن المعتز. (5)

الميل إلى سلامة التراكيب وانسجامها مع الاحتفاظ بجزالة الأسلوب وظهور المعنى.

هذا مجمل ما جد في ألفاظ الشعر، أما ما جد في معانيه وأخيلته؛ فيتلخص فيما يلي: (1)

اختراع الأخيلة الجميلة، وصبها في قوالب جذابة تبهج النفس وتسر الخاطر. (2)

الإيغال في استعمال الخيال الوهمي الذي لا يمكن تحققه في الخارج؛ كقول الحكمي:

وأخفت أهل الشرك حتى إنه

لتخافك النطف التي لم تخلق

وقول بعضهم:

أسكر بالأمس إن عزمت على الس

كر غدا إن ذا من العجب! (3)

ترتيب الأفكار وتنسيقها على وجه يلتئم مع مناهج المنطق السليم والفكر المستقيم، ولا سيما عند الانتقال من حال إلى حال. (4)

سلوك الطرق الكلامية، ومناهج الحكمة في تأييد المقاصد وتأكيد المطالب؛ مثل قول بعضهم وقد هجاه أحد الأشراف:

لا تضع من عظيم قدر وإن كن

ت مشارا إليه بالتعظيم

فالشريف الكريم ينقص قدرا

بالتعدي على الشريف الكريم

ولع الخمر بالعقول رمى الخم

ر بتنجيسها وبالتحريم (5)

الإكثار من الاستعارات الطريفة والتشبهات البارعة. وأكثر الشعراء ولوعا بذلك عبد الله بن المعتز.

ويمكن تلخيص ما جد في أغراضه وفنونه بما يلي: (1)

الانهماك في غزل المذكر والتوسع في فنونه، حتى غلب على غزل المؤنث الذي كان شعراء الجاهلية وصدر الإسلام يصدرون به قصائدهم ويحلونها به. وأشهر المغرقين في هذا الباب أبو نواس والحسين بن الضحاك. ولم يزل يتفاقم أمر هذا الضرب في الشعر حتى صار جمعة الدواوين يعتقدون له بابا قائما برأسه. (2)

اتخاذ المجون وسيلة من وسائل الملاطفة والإضحاك وبعث السرور في النفوس، ثم الخروج به إلى حدود الإفحاش والهجر. وأول من أفحش فيه بشار وحماد عجرد وحماد الراوية، ثم جاء أبو نواس فأربى عليهم، ثم جاء ابن حجاج وابن سكرة الهاشمي فشرقا فيه وغربا، وأتيا منه بما لم يسبقا إليه ولم يلحقا فيه، مما يستنكره الذوق السليم وتشمئز منه الطباع المستقيمة، ومع ذلك فقد كان البغداديون يعدون الزمان الذي جاد بابن حجاج وابن سكرة زمانا سخيا. (3)

الإقذاع في الهجاء والسب وهتك الحرم بما لا عهد للعرب به في عهد جاهليتهم وصدر إسلامهم، إلا ما كان من جرير وبعض خصومه. وأشد الشعراء اندفاعا في ذلك شعراء الموالي؛ كبشار وابن الرومي. (4)

الإغراق في المديح والفخر والإمعان بالكذب فيهما، وكان الذين يولعون بهذا الضرب من الشعر يقولون: «الشعر أعذبه أكذبه.» وهي فرية تقض مضجع الصدق.

ومن هنا قسم أهل البديع الخروج على المألوف إلى أقسام عديدة؛ أولها: المبالغة، وأرادوا بها ادعاء ما يمكن عقلا وعادة، وإن كان خارجا عن المألوف. وثانيها: الإغراق، وهو ادعاء ما يمكن عقلا لا عادة. وثالثها: الغلو، وهو ادعاء ما لا يمكن عقلا ولا عادة. وهذا التقسيم يشعرك بما انتهوا إليه من الخروج عن الممكنات إلى المستحيلات. (5)

الاندفاع في وصف الخمر والدعوة إلى شربها، والتبسط في وصف السكر والسكارى والمنادمة والندامى، والذهاب في ذلك كل مذهب. ورأس هذه الفئة أبو نواس؛ فقد أتى في هذا الباب بما لم يسبق إليه ولم يلحق فيه. نعم؛ كان بعض شعراء الجاهلية كالأعشى يلمون بهذا الباب إلماما خفيفا، وبعد الإسلام لم يجرؤ على طرق هذا الباب إلا قليل من الشعراء؛ كأبي محجن الثقفي والأخطل وأبي الهندي. أما في هذا العصر فقد جعله الشعراء ديدنهم، وقصروا عليه جل اهتمامهم، والذي ترفع منهم عن احتساء الشمول لم يترفع عن وصف شمائلها، ومن أراد التبسط في هذا الباب فعليه أن يرجع إلى حلبة الكميت للنواجي المتوفى سنة 859.

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٣٧