تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بغداد خزانات كتب خاصة تحتوي كتبا نادرة من أشهرها خزانة دير الكرمليين التي أنشأها اللغوي المحقق أنستاس ماري الكرملي، وخزانة المحامي الفاضل عباس العزاوي، وخزانة الوجيه البحاثة يعقوب سركيس، وفي بغداد خزانات أخرى كثيرة ليس هذا موضع استقصائها.

الفصل السادس

| القصور

قلنا سابقا: إن المنصور لما أتم بناء مدينته المدورة، أنشأ في وسطها قصرا عظيما، أطلق الناس عليه اسم «قصر الذهب»، وأقام بصدره القبة الخضراء الشهيرة، وبنى بعض مواليه وصنائعه قصورا خارج السور، ثم أمر بإنشاء قصر عظيم وراء باب خراسان على ضفة دجلة اليمنى عند النهاية الغربية للجسر الكبير، وسماه قصر الخلد تبركا باسم الجنة، وتفاؤلا بأن يكون دار النعيم «بما يحويه من كل منظر رائق ومطلب فائق، وغرض غريب ومراد عجيب.» أتم بناءه سنة 158.

قصر الرصافة:

أمر المنصور بإنشائه على شرقي دجلة سنة 151، وهو أول بناء أنشئ في الجانب الشرقي، وقد أنشأ المنصور له سورا وخندقا، واتخذه المهدي مقاما له عند قدومه من الري بعسكره سنة 151، وجعل ما حوله معسكرا لجنده، فأنشأ كبار القواد منازل لهم حول القصر، ثم زيد في القصر، وأضيف إليه الكثير مما يجاوره من الأبنية، ثم تكاثرت الأبنية حول القصر فتألف من مجموع ذلك محلة كبيرة عرفت بمحلة الرصافة، وهي واقعة إلى جوار مشهد الإمام أبي حنيفة من الجهة الجنوبية، ولم يبق منها اليوم رسم ولا طلل.

قصر عيسى:

هو قصر بناه أو أقام فيه عيسى بن علي عم المنصور، قالوا: وهو أول قصر بناه الهاشميون في أيام المنصور ببغداد. قال ياقوت في معجمه:

وكان «قصر عيسى» على شاطئ نهر الرفيل عند مصبه في دجلة، وهو اليوم في وسط العمارة من الجانب الغربي، وليس للقصر أثر الآن، إنما هناك محلة كبيرة ذات سوق تسمى محلة قصر عيسى.

وقد بالغوا في سعة هذا القصر، حتى قالوا: إنه كان يضم زهاء أربعة آلاف نسمة من الأمراء والحرم والحشم والخدم.

قصر الوضاح:

هو قصر بناه الوضاح بن شبا عندما ولاه المنصور أمر الشرقية من محلة الكرخ، والشرقية محلة تقع إلى جنوب نهر الصراة، وقد ألحق بهذا القصر مسجدا يقال له مسجد الوضاح، وفيه يقول علي بن الجهم:

سقى الله باب الكرخ من متنزه

إلى قصر وضاح فبركة زلزل

منازل لا يستتبع الغيث أهلها

ولا أوجه اللذات عنها بمعزل

منازل لو أن امرأ القيس حلها

لأقصر عن ذكر الدخول فحومل

وبركة زلزل هي بركة أنشأها زلزل الموسىيقي المشهور في الجانب الغربي، ثم وقفها للناس يستقون منها ويتنزهون حولها.

قصر السلام:

هو قصر بناه محمد المهدي سنة 164 في موضع يقال له: عيسى باذ، وفي إطلاق هذا الاسم عليه تفاؤل بالسلامة لا يخفى، وإشارة إلى ما يشتمل عليه هذا القصر من النعيم المقيم، قالوا: وقد بلغت نفقات إنشاء هذا القصر 50 مليون درهم، وهو رقم لا يخلو من مبالغة، ولكنه كذلك لا يخلو من الدلالة على ضخامة ما أنفق على ذلك القصر.

القصر الحسني:

أنشأ جعفر بن يحيى البرمكي قصرا عظيما على دجلة في الجانب الشرقي، وكان من الضخامة بحيث زعم بعض الرواة أنه أنفق عليه زهاء عشرين مليون درهم، وهذا الرقم أيضا لا يخلو من مبالغات الأعاجم. وكان هذا القصر واقعا تحت محلة المخرم، وكان يعرف في أول عهده بالقصر الجعفري، ثم أهداه صاحبه للمأمون، فصار يعرف بالقصر المأموني، ولكنه بقي تحت تصرف جعفر بن يحيى إلى حين مقتله، وحينئذ تصرف المأمون فيه تصرفا فعليا، وكان من أعز القصور عليه؛ لما كان يشتمل من وسائل البهجة ومعالم السرور؛ ولذلك أضاف إليه ما يزيد في معالم بهجته. من ذلك ميدان واسع للعب الكرة والصولجان، كما أضاف إليه حير الوحوش، وهو موضع يشبه ما نسميه اليوم بحديقة الحيوانات، ومد إليه فرعا من النهر المعروف بالمعلى، ثم أهداه المأمون للحسن بن سهل على أثر زواجه من بوران ابنته، فسمي القصر الحسني، فزاد فيه الحسن زيادات مهمة، ثم أهداه إلى ابنته بوران زوج المأمون، ثم انتقل هذا القصر إلى حوزة الخلفاء في خلافة المعتمد على الله أو المعتضد بالله، فوسعه وأضاف إليه المباني التي أنشأها على الميدان الذي كان منذ عهد المأمون، وعمل على مجموع مبانيه سورا، واستحدث ميدانا جديدا من الشرق، فهدم الدور المجاورة بعد أن اشتراها من أهلها لتوسيع ذلك الميدان.

بغداد مدينة السلام · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ٢٦