وقد طالت مدة خلافة بعض الخلفاء حتى ضربت الرقم القياسي على حد تعبير كتاب العصر؛ فقد كانت مدة خلافة الناصر لدين الله 46 سنة وعشرة أشهر و28 يوما، وهي أطول مدة حكم فيها خليفة عباسي، وما ذلك إلا لخلو بغداد من الأجناد الأتراك والديلم وغيرهم من أهل الشغب ورواد الفتن، ثم لم يبق في يد الخلفاء ما يحسدون عليه.
وكان الخلفاء في هذا العهد ميالين إلى نشر العدل والترفيه على الرعية برفع كثير من المكوس والضرائب، كما كانوا ميالين إلى إقامة دور العلم والمساجد والملاجئ الخيرية.
وفي هذا العهد استفحل أمر المغول في ديار فارس وغيرها، كما اشتدت قبل ذلك وطأة الصليبيين في ديار مصر والشام، فأصبحت ديار الإسلام بين قوتين هائلتين، كأنهما كانتا على ميعاد.
وكانت خاتمة هذا العهد الكارثة التي أودت بالخلافة وبالمدنية والحضارة على ما سيأتي في الباب التالي.
| الباب الثاني
العهد المغولي وما أعقبه من تطورات إلى الاحتلال الإنكليزي (656-1335)
ينقسم هذا الباب إلى خمسة فصول.
الفصل الأول
| العهد الهولاكي (656-740)
المغول جيل من الترك يقطنون في بلاد تركستان، وقد نشأت بينهم وبين التتر - وهم من الترك أيضا - حروب طاحنة، فنشأ في ظل هذه الحروب رجل من المغول يقال له تموجين، عرف بعد ذلك باسم جنكيزخان، فنظم تموجين أمر المغول وأعدهم للفتح والتغلب، ولما حضرته الوفاة سنة 624 أوصى بتقسيم مملكته بين أبنائه الأربعة؛ وهم: جوجي، وجغطاي، وأوكداي، وتولي. وكان يقدر لهم أن يملكوا الدنيا، فكانت من حصة ولده تولي خراسان وما يؤمل الاستيلاء عليه من ديار بكر والعراقيين إلى منتهى حوافر خيول المغول، وكانت حدود مملكته تتاخم العراق. ولما توفي سنة 654 خلفه في مملكته ابنه هولاكو خان الملقب بإيلخان؛ ولذلك تسمى دولته بالإيلخانية.
وفي سنة 656 نزل هولاكو على بغداد وحاصرها، فكانت حروب، وكانت خطوب، اندلعت في أثنائها نيران فتن داخلية، انتهت باستيلاء التتر عليها وبقتل الخليفة المستعصم وأولاده ورجال حاشيته وأهل بطانته، وباستباحة بغداد مدة طويلة، ولم يسلم من الناس إلا من قدر على الاختفاء بمواطن لم تصل إليها عيون المغول، وكانت بغداد حين حاصرها القوم غاصة بأهل الأطراف من الذين أجفلوا أمام الجيش المغولي ظنا منهم أن العاصمة تعصمهم، فكانوا فيها لحما لسيوف المغول الذين لم يرحموا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وبهذا أفلت شمس الخلافة العباسية في بغداد بعد أن أشرقت عليها أكثر من خمسة قرون، وكان أفولها كارثة على الأمم الإسلامية كافة والعرب خاصة، بل على الشرق كله، بل على المدنية والحضارة؛ لأن المغول لم يكونوا يحملون يومذاك قلوبا تنبض بالرحمة ولا رءوسا تعقل للمدنية معنى، وكان كل ما يتميز به أولوهم أنهم لا يفرقون بين دين ودين ولا بين مذهب ومذهب؛ فكل الأديان والمذاهب لديهم متساوية، وقد نجم عن ذلك أنهم سلطوا بعض رجال الأقليات المتميزين ببعض المواهب على حكم الأكثريات مما لا عهد للبغداديين به من قبل، وأبقى هولاكو في أول الأمر الأوضاع الإدارية في بغداد على النمط العباسي تقريبا مع اختصار في بعضها، وأبقى أكثر المناصب الإدارية بيد الموظفين السابقين من العراقيين؛ ليستفيد من خبرتهم وسابق تجاربهم في جباية الضرائب والمكوس وتنظيم الأعمال، ورتب من قبله جماعة من الرقباء والأمناء ليشرفوا على كل شيء، وبذلك أصبحت حكومة بغداد مدنية تحت إشراف حكومة عسكرية. على أن هولاكو لم يلبث أن حول نظره عن الموظفين العراقيين إلى موظفين من الإيرانيين، فعهد بمنصب الوزارة في بغداد إلى علاء الدين الجويني سنة 657، وكذلك عهد بكثير من المناصب الأخرى ببغداد إلى رجال من أهل فارس، وبذلك خسر العراقيون مكانتهم التي كانوا يحتلونها في الدولة، كما خسروا عزتهم وحريتهم، ولكن بغداد لم تخرج عن كونها حاضرة لمدن العراق العربي. وتعاقب على الحكم فيها من رجال الدولة الإيلخانية ثلاثة عشر ملكا وملكة واحدة هي «صاتي خان» التي حكمت بغداد سنة 739.