تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي 11 من جمادى الأولى سنة 334 وصل أحمد بن بويه مدينة السلام إجابة لدعوة تلقاها من قواد بغداد، ومثل بين يدي الخليفة فاحتفى به، فبايعه أحمد وحلف له يمين الطاعة، وحلف الخليفة لأحمد يمين الإقرار له على السلطنة.

فأنعم الخليفة عليه بلقب «معز الدولة»، وعلى أخيه الكبير بلقب «عماد الدولة»، وعلى الأوسط بلقب «ركن الدولة»، ولم يثبت معز الدولة على وفائه بيمينه للمستكفي سوى أربعين يوما، فخلعه وبايع المطيع لله. وبمعز الدولة هذا ابتدأ العهد البويهي، فتعاقب على الحكم في بغداد من ملوكهم أحد عشر ملكا، آخرهم خسرو فيروز الذي لقب نفسه بالملك الرحيم.

وفي عهد بني بويه وصل العلم والأدب في بغداد إلى القمة العليا، فنشأ أكابر المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والكتاب والشعراء وأساطين علوم العربية والحذاق في المعارف الكونية. وبالجملة، فإن المعارف التي تم غرسها في عهد المنصور والرشيد والمأمون أزهرت في هذا العصر وآتت أكلها يانعا شهيا، وكان لبعض ملوكهم آثار في العمران وحسنات على أهل الفضل وأقمار الأدب؛ ففي عهدهم تولى الوزارة في إيران أبو الفضل بن العميد وابنه أبو الفتح والصاحب بن عباد، وفي بغداد أبو محمد المهلبي الذي أفاض على رجالات العلم والأدب سيبا من حسناته وفيضا من نعمه، على أنه لا ينكر أن القوم أيقظوا الفتن المذهبية ونفخوا في نارها، حتى أخذ بعض المسلمين يستحل دم بعض.

وفي زمن حكمهم امتحنت بغداد بشتى المحن التي منها: طغيان المياه عليها، واختلال الأمن داخلها وخارجها، وتفاقم أمر المجاعات فيها، واستيلاء رجال الجند على الضياع والقرى، والتضييق على الفلاحين مما لا عهد لهم به في صدر الخلافة العباسية، وفي آخر عهدهم أمر الخليفة القضاة والفقهاء بترك الفتيا؛ محتجا بذلك على جرائم اقترفها أجناد الديلم وعجز ملكهم عن معاقبتهم بسببها.

الفصل الرابع

| العهد السلجوقي (447-552)

السلاجقة ينتسبون إلى جدهم سلجوق، وهو ينتمي إلى قبيلة كريمة كانت تقطن تركستان، وسلجوق هو أول من آمن من رجالها. وأول من استولى على بغداد من هذه الأسرة طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق على أثر اختلال حكم البويهيين فيها؛ وذلك أن مملوكا تركيا من مماليك الديلم يقال له أبو الحارث أرسلان البساسيري عاث في العراق فسادا وكاتب الفاطميين في مصر؛ فالتجأ الخليفة القائم إلى مهارش بن المجلي أمير العرب، فحمله إلى عانة، فبقي فيها حولا كاملا.

وفي ذلك العهد دخل طغرلبك بغداد، وقتل البساسيري، وأعاد القائم إليها، ولم يتخذ ملوكهم بغداد مقرا لهم، وكانوا يكتفون بإرسال من ينوب عنهم.

وقد عانت بغداد في عهدهم هذا حصارين؛ الأول: سنة 530 في عهد الخليفة الراشد بأمر الله، دام نحو شهرين، وانتهى بفرار الخليفة إلى الموصل، وكان القائم بهذا الحصار السلطان مسعود السلجوقي. والثاني: في خلافة المقتفي سنة 551، والقائم به محمد بن أخي السلطان مسعود، ودام أكثر من ثلاثة أشهر، وفي هذا الحصار أبلى البغداديون بلاء حسنا، فردوا السلطان ومن معه بغيظهم لم ينالوا خيرا.

ومن أعظم ملوك السلاجقة الذين زاروا بغداد ملكشاه بن ألب أرسلان، زارها مع وزيره الأعظم الحسن بن علي الملقب بنظام الملك، الذي حاول أن يصل البيت العباسي بالبيت السلجوقي بأواصر المصاهرة، فعقد للخليفة المقتدي على ابنة السلطان ملكشاه.

ولهذه المصاهرة مثل سابق، فإن السلطان طغرلبك زوج ابنته للخليفة القائم، وحاول أن يتزوج هو نفسه من ابنة الخليفة، فكان له ما أراد بعد ممانعات ومراجعات كادت تؤدي إلى مخاصمات لا يعلم مدى أثرها إلا الله.

الفصل الخامس

| الطور الأخير (552-656)

لم يبق في يد الخلفاء من تلك المملكة المترامية الأطراف في هذا العهد إلا بغداد وأعمالها وقليل مما يتصل بها.

بغداد مدينة السلام · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بغداد مدينة السلامص ١٢