ويقول في لواقح الأنوار: «لا يقدر أحد ولو ارتفعت درجات مشاهدته أن يقول: إن العالم عين الحق أو اتحد به أبدا، ومن فهم ما أومأنا إليه، فهم معنى قوله - تعالى:
قل الروح من أمر ربي ، فلم يحدث بابتداعه العالم في ذاته حادث. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!»
ثم يأتي محيي الدين بكلمة الفصل فيقول: «وبالجملة فالقلوب به - تعالى - هائمة، والعقول فيه حائرة، يريد العارفون أن يفصلوه - تعالى - بالكلية عن العالم من شدة التنزيه فلا يقدرون، ويريدون أن يجعلوه عين العالم من شدة القرب، فلا يتحقق لهم؛ فهم على الدوام متحيرون: فتارة يقولون: هو، وتارة يقولون: ما هو، وتارة يقولون: هو ما هو! وبذلك ظهرت عظمته - تعالى.»
وهذا كلام العارف الحكيم، المؤمن الكامل، وهو هدى ونور لمن يريد الهدى والنور.
يريد العارفون أن يفصلوه - سبحانه وتعالى - عن العالم من شدة التنزيه فلا يقدرون، ويريدون أن يجعلوه عين العالم من شدة القرب، فلا يتحقق لهم ما يقولون.
فالقلوب حائرة، والعقول هائمة، وبذلك ظهرت عظمة الله - تعالى - الذي ليس كمثله شيء، والذي لا تدركه العقول ولا الأبصار، وهو يدرك العقول والأبصار، وهو على كل شيء قدير، و
سبحان ربك رب العزة عما يصفون .
محيي الدين المفترى عليه
لم يشهد تاريخ الفكر الإسلامي جدلا وحوارا، أشد ولا أعنف من الجدل والحوار الذي أثير حول محيي الدين، ولست أغالي إذا قلت: إن محيي الدين هو الراية التي دارت حولها المعارك بين المتصوفة وخصومهم من شتيت الفرق والطوائف والمذاهب، منذ القرن السابع الهجري إلى يومنا.
فمحيي الدين، قد فتن به قوم وهاموا بآثاره حبا وغراما، وطافوا حول تراثه إجلالا وإكبارا، وتنادوا بأن الفتوحات هي أعظم آثار الفكر الإسلامي، وأعلى ذرى العطايا اللدنية، والمنح الإلهية في نهج التصوف والمتصوفة، وأنه القطب والغوث والإمام والشيخ الأكبر.
وغضب قوم على محيي الدين، وثاروا به وتفننوا في تجريحه والنيل منه، وألحدوا بكل ما قال وظنوا السوء، بل وأكثر من السوء في كتبه وآرائه.
وخصوم محيي الدين على لونين؛ ففريق لم يفهم محيي الدين، وقصرت أجنحته عن التحليق في آفاقه، وعجزت أقدامه وسواعده عن الجري مع عبابه وأمواجه؛ فأنكر وجحد، ورماه بالغموض والإبهام والتقنع لمآرب وأغراض.
وفريق آخر أنكر التصوف جملة، وجحد المتصوفة كافة، ورأوا في محيي الدين الحصن الأكبر والصرح الممرد الشاهق للتصوف والمتصوفة؛ فوجهوا ريحهم إليه، وأجروا سفنهم بالكيد له، والتطاول عليه؛ حتى ينتقض الصرح من أساسه، وينفض السامر، وتخلو ساحاته من البطل والزعيم.
بل لقد تعرض محيي الدين لمحنة أشد، بل لمؤامرة من تلك المؤامرات التي تدبر تحت أجنحة الظلمات، والتي طالما أودت بالعلماء ورجال الإيمان، وطالما جرحت أئمة الفكر والهدى، مؤامرة بدأت في حياته، ثم جرت في أعقابه ولاحقته إلى يومنا.
يقول الشعراني في مقدمة اليواقيت: «إن أفاقا من أهل اليمن غير واضح العقيدة، اسمه ابن الخياط، كتب مسائل في درج وأرسلها إلى العلماء بسائر أنحاء العالم الإسلامي، وقال: هذه عقائد الشيخ محيي الدين. وذكر فيها عقائد زائفة، ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، وخدع العلماء ووقع كثير منهم في الشرك، فكتبوا بحسب السؤال وشنعوا على من يعتقد ذلك من غير تثبت، والشيخ عن ذلك بمعزل.»
ويعقب الفيروز آبادي على حادثة ابن الخياط قائلا: «فلا أدري أوجد ابن الخياط تلك المسائل في كتاب مدسوس على الشيخ، أو فهمها هو من كلام الشيخ على خلاف مراده، أو ابتكرها من عند نفسه؟»
وإنه للون من أعجب ألوان التشهير، يتفق تماما مع أحدث أساليب الدعاية الحديثة، وما ألفناه من الأقلام المأجورة المعاصرة، التي تطلقها الأمم لتنال من خصومها، ومن أفكارهم ومذاهبهم، بالتلفيق والاختراع والتمويه.