ولا عجب إذا رأينا الكثير من العلماء الذين وجه إليهم السؤال من ابن الخياط، وقد وقعوا في الشرك الذي نصب لهم بمهارة ودهاء؛ فقد رأوا بين أيديهم مسائل خطيرة تمس الدين، وما انعقد عليه الرأي بالإجماع؛ فملئوا الدنيا صياحا وتشهيرا، ولا يزال صياحهم وتشهيرهم تحمله أجنحة التاريخ، وتقذف به إلى الأذهان.
ويحدثنا الشعراني أيضا، فيقول: «إنه عندما أخذ في تأليف مختصر للفتوحات، رأى فيها أشياء كثيرة، لا تتفق مع ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فحذفها وتوقف فيها.» ثم يقول: «لم أزل كذلك أظن أن المواضيع التي حذفتها غير ثابتة عن الشيخ محيي الدين، حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف الشيخ شمس الدين محمد بن السيد أبي الطيب المدني، المتوفى سنة 955ه، فذاكرته في ذلك، فأخرج لي نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه «بقونيه»؛ فلم أر فيها شيئا مما توقفت فيه وحذفته؛ فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت عن النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع له ذلك في كتاب الفصوص وغيره.»
والشعراني وهو من أخلص تلامذة محيي الدين، وهو من أكبر من كتبوا عنه وترجموا له، يقرر هنا في صراحة لا تقبل الجدل: أن كل ما في الفتوحات مخالفا لعقائد أهل السنة والجماعة، قد دس على محيي الدين، وأن محيي الدين ضحية لمؤامرة دنيئة، سلاح الخصوم فيها: التلفيق والتزييف.
ويتابع الشعراني بحثه فيقول: «إنه لمقتنع كل الاقتناع بأن خصوم محيي الدين أضافوا إلى مؤلفاته زيادات كبيرة وأنطقوه بما لم يقله؛ ليصرفوا الجمهور عن حسن الظن به.»
ونحن ولا شك أمام حادث خطير من أحداث التاريخ، يجب أن تجتمع له عصبة من أولي القدرة والإيمان لدراسته وبحثه، وصون هذا التراث الإسلامي العظيم من التشويه الزائف الخطير المتعمد.
ويرى كثير من رجال التاريخ وأهل الرأي: أن الزائف في الفتوحات والفصوص وغيرهما من كتب محيي الدين، لم يتوله خصومه من رجال الفقه ولا من أهل السنة؛ وإنما تولى أثمه بعض رجال الباطنية، الذين عجزوا عن الجهر بآرائهم، فأضافوها إلى محيي الدين؛ لإيمانهم بأن شخصيته الجبارة بمكانتها وجلالها كفيلة بحماية تلك الآراء، أو تدعيمها وتقويتها.
والتاريخ حافل الصفحات بألوان من الخصومات والافتراءات على الرجال والأئمة، بل وعلى الرسل والأنبياء.
يقول جلال الدين السيوطي: «ما كان كبير في عصر قط إلا كان له عدو من السفلة؛ إذ الأشراف لم تزل تبتلى بالأطراف.» ثم يضرب الأمثال من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - الذين ابتلوا بالخصومات والافتراءات، ثم بكبار الصحابة، كسعد بن أبي وقاص الذي نسب إليه أهل الكوفة أنه لا يحسن الوضوء ولا الصلاة، وهو من هو في كماله وإيمانه! وأحمد بن حنبل الذي ضرب حتى مزق جسده، وهكذا، ثم يقول: «ولقد اختص المتصوفة بالنصيب الأكبر من هذا الابتلاء.»
والسيوطي هنا يقرر حقيقة من حقائق التاريخ التي لا يرقى إليها الشك، فما من صوفي إلا وأحاطت به عصبة السوء والإفك، تجريحا وتشهيرا، ودسا وافتراء، لقد نفوا البسطامي سبع مرات من بلده بتهمة الكفر والزندقة، وأحلوا دم ذي النون المصري، وشهدوا على الجنيد بالكفر والإلحاد، ودسوا على الغزالي في الإحياء عدة مسائل، تنبه لها القاضي عياض؛ فأرشد إليها وأمر بإحراقها.
ولم يكتف خصوم محيي الدين بالدس عليه في كتبه والتشهير بألسنتهم به، بل أضافوا إلى جريمتهم جريمة أخرى أشد وأنكى، فقد أخذوا يؤلفون على ألسنة شيوخ الإسلام الكلمات القاسية الجارحة الموجهة إلى محيي الدين؛ ليزيدوا في تدعيم مؤامرتهم، وليزيدوا النار اشتعالا.
ووقع كثير من رجال التاريخ فريسة سهلة لهذا اللون الجديد؛ فأخذوا يرددون أمثال هذه الافتراءات، وينسبونها إلى هؤلاء الأعلام، ولا عجب في هذا، فكتب التفسير مثلا تموج موجا بالإسرائيليات التي تنسب ظلما إلى ابن عباس - رضي الله عنه - وهو منها البريء المطهر، ولقد نسبوا فيما نسبوا إلى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أنه قال عن محيي الدين: إنه زنديق! ورواها عنه أكثر من مؤرخ، ثم نرى كتب التاريخ الصحاح تقص علينا حادثة أبعد ما تكون عن الرواية الأولى، على لسان مريد من تلامذة شيخ الإسلام يقول: كنا في مجلس الدرس بين يدي الشيخ عبد السلام، فجاء في باب الردة لفظة زنديق. فقال بعضهم: هل هي عربية أم أعجمية؟ فقال بعض الفضلاء: إنما هي فارسية معربة أصلها «زن. دين» أي: على دين المرأة، وهو الذي يضمر الكفر ويظهر الإيمان. فقال بعضهم: مثل من؟ فقال آخر إلى جانب الشيخ: مثل ابن عربي بدمشق؛ فلم ينطق الشيخ ولم يرد عليه، ووجم لها من في المجلس.