ولكن ليس معنى هذا، أن العالم قد زال أو تلاشى، أو عدمت عينه وذاته؛ وإنما هو ذهول بما هو أعلى عما هو أدنى، كمن يشاهد الملك مثلا؛ فيذهل عند رؤيته عن رؤية ما سواه، فلا يرى غيره؛ لأن جلاله قد حجب من حوله، ولا قياس ولا تشبيه بين المثلين.
وليس في هذا ما يعاب، فهو موقف عظيم من مواقف الرجال؛ ولكن الكمال يكون أتم وأعلى إذا اقترنت مشاهد الأنوار الربانية مع الموجودات الكونية؛ لأن كل موجود آية من آيات الله، فالحجاب عنها حتى عند المشاهدة العظمى: نقص في المعرفة.
ويشرح لنا محيي الدين الحديث القدسي المشهور: «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ... إلخ.»
يشرح محيي الدين هذا الحديث، الذي توهم فيه بعض الأغرار ما يفيد الوحدة، فيقول: «أي: إن من تقرب إلى ربه فأحبه، أفاض عليه أنوار المعرفة، فانكشفت له الحقائق، فرأى كل شيء بنور هذه المعرفة.» ثم يقول: «لا حلول ولا اتحاد، فإن القول بالحلول مرض لا يزول، ومن فصل بينك وبينه فقد أثبت عينك وعينه، ألا ترى إلى قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، فأثبتك بإعادة الضمير إليك؛ ليدلك عليك، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول.»
ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، وما قال بالحلول إلا أهل الجهل والفضول. أيرمى صاحب هذا القول بالاتحاد والحلول؟! سبحانك ربي! وإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور!
ويقول في باب الأسرار: «أنت أنت، وهو هو، فإياك أن تقول، كما قال العاشق:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
فهل قدر هذا أن يرد العين واحدة؟ لا والله ما استطاع، فإنه جهل، والجهل لا يتعقل حقا.»
وقال أيضا: «إياك أن تقول: أنا هو، وتغالط؛ فإنك لو كنت هو لأحطت به، كما أحاط - تعالى - بنفسه.»
ثم يقول هو من الآيات في توضيح فكرته: «اعلم أن العاشق إذا قال:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
كان ذلك كلاما بلسان العشق والمحبة، لا بلسان العلم والتحقيق؛ ولذلك يرجع أحدهم عن هذا القول إذا صحا من سكره.»
إذا قال القائل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
فهذا لسان الحب، ولسان الخيال لا الحقيقة، لسان المعنويات التي لا صور لها، وللمحبة لسان معذور؛ لأنه مقهور بحاله.
يروي محيي الدين في الفتوحات: «إن سليمان - صلوات الله عليه - كان في قبته يوما، وفي أعلاها عصفور يناجي عصفورة، فقال لها: أنا أحبك حبا لا أعصي لك معه أمرا، حتى لو قلت لي: حطم هذه القبة على رأس سليمان لحطمتها عليه، فأمره سليمان أن يهبط، فلما هبط قال له: ماذا تقول؟ قال: يا نبي الله، لقد تكلمت بلسان المحبة، وألسنة المحبين لا حساب عليها؛ فتبسم سليمان وعفا عنه ...»
ويقول محيي الدين في الباب الثاني والتسعين ومائتين: «من أعظم الأدلة على نفي الحلول والاتحاد، الذي يتوهمه بعضهم: أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء، وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاتها؛ وإنما كان القمر محلا لها ومشرقا بها؛ فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه.»
ثم يقول: «وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق، ولا حل فيه الحق؛ إذ لو كان عين الحق، أو حل فيه، لما كان - تعالى - قديما ولا بديعا.»
ثم يرد محيي الدين على هؤلاء الذين تنادوا بالترقي والفناء في الذات العلية، فيقول: «لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته، والملك عن ملكيته، ويتحد بخالقه - تعالى - لصح انقلاب الحقائق، وخرج الإله عن كونه إلها، وصار الحق خلقا، والخلق حقا! وما وثق أحد بعلم، وصار المحال واجبا؛ فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا.»
ويقول في الباب الثامن والأربعين من الفتوحات: «لا يصح أن يكون الخلق في مرتبة الحق - تعالى - أبدا، كما لا يصح أن يكون المعلول في رتبة العلة.» ثم يقول: «وأين إذن تذهب التكاليف؟ ومن ترك التكاليف كان معاندا أو جاحدا؛ فمن كمال التخلق بأسماء الحق الاشتغال بالله وبالخلق.»