ويقول العلامة ابن سبعين عن الحلاج: «إنه ولي وشفيع لا تناقض عنده، مؤمن بالتوحيد الأول الكلي الذي يتجاوز نطاق الإسلام.»
ويقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الفتوحات، معقبا على كتاب الحلاج - الصيهور والديهور: «لم أر متحدا أوثق وفتق، وبربه نطق، وأقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق، وركب طبقا على طبق مثله، فإنه نور في عنق، منزلة الحق عنده منزلة موسى من التابوت؛ ولذلك كان يقول باللاهوت والناسوت، وليس هو ممن يقول «العين واحدة»، ويحيل الصفة الزائدة.
وأين فاران من الطور، وأين النار من النور، والعرض محدود، والطول ظل ممدود، والفرض والنقل شاهد ومشهود.»
وقد عقد الإمام الغزالي في كتابه «مشكاة الأنوار» فصلا طويلا دافع فيه عن الحلاج، وشرح ألفاظه وأقواله، واعتبره من الصفوة الهداة الداعين إلى الله.
ويقول الأستاذ أبو الوفا التفتازاني، في كتابه عن ابن عطاء السكندري: «إن الشاذلية جميعا يجلون الحلاج ويعتقدونه إماما.»
وتقول دائرة المعارف الإسلامية:
3 «قل بين المسلمين من ثار حوله الجدل مثل الحلاج، وذلك أن الرأي العام وضعه موضع التقديس والولاية، رغم ما أثار خصومه حوله.»
ثم تضع دائرة المعارف سجلا شاملا لمن كفره، ولمن اعتقد بولايته، ولمن توقف في أمره، فتقول: «فمن عده من الأولياء من الفقهاء: الشوشتري، والعاملي، والعبدري، والدلنجاوي، والنابلسي، والمقدسي، واليافعي، والشعراني، والهيتمي، وابن عقيلة، وسيد مرتضى الزبيدي.
ومن المتكلمين: ابن خفيف، والغزالي، وفخر الدين الرازي، والمدرستان السالمية، والماتردية.
ومن الحكماء: ابن طفيل، والسهروردي، والحلبي، ومن الصوفية: الشبلي، وفارس، والكلاباذي، والنصراباذي، والسلمي، والدقاق، والقشيري، والصيدلاني، والهجويري، وأبو سعيد الهروي، والفارمذي، وعبد القادر الجيلاني، والبقلي، والعطار، وابن عربي، وجلال الدين الرومي.
وأما الذين تنادوا بتكفيره: فابن داود، وابن حزم، وابن تيمية، والطوسي، والحلي، وابن خلدون، والجبائي، والباقلاني.»
ثم تقول دائرة المعارف: «وقد حاول الحلاج بوصفه من أهل الجدل والوجد أن يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية، على أساس من التجربة الصوفية، وهو في هذا يعد رائدا للغزالي، وقد جعل الصوفية من الحلاج أعظم شهدائهم.»
| الروح الخالد
ذلك موقف التاريخ من الحلاج وحياته، وتلك هي المعركة التي دارت حول رسالته.
وقد آن للضمير الإسلامي أن يتحرر من سحر التهاويل المفتعلة، وضجيج الافتراءات الكاذبة، التي أحاطت بالحلاج وسيرته ورسالته.
ومن أدب القرآن، أن من قتل نفسا ظلما فقد قتل الناس جميعا، وكذلك من اتهم نفسا ظلما فكأنما اتهم الناس جميعا.
إن عرض الإنسانية وشرفها وكرامتها كل لا يتجزأ، والدفاع عن هذه المقدسات للناس كافة رسالة وأمانة في أعناق الأقلام الحرة، والقلوب المؤمنة.
ومن كلمات النبوة الخالدة: «من أرخ مؤمنا فكأنما أحياه.»
ونحن نأمل أن نكون قد وفينا حق هذه الأمانة، وأقمنا على الصراط المستقيم المضيء حياة رجل يقف شامخا على مرقاة مضيئة هادية، ليرشد الإنسانية إلى معراج من الحب الإلهي يسمو بالوجود الإنساني، إلى سدرة الرجل الرباني، الذي يرتفع فوق الحياة، ليتخلق بأخلاق الله، ويقتات قلبه بنوره ورضاه.
رجل عاش للمثالية الإيمانية، بكل ما يتسع له أفقها الرحب، وجاهد في سبيلها، وقدم دمه فداء لها.
عاش للمثل العليا، تملأ نفسه، وتغمر روحه، وتضيء قلبه، وتفتح له آفاقا فسيحة في عالم الخير والحب والكمال، عاش ووجهه للسماء أبدا.
عاش ليقدم للإنسانية صورة من صور البطولة الروحية الشامخة، تتضاءل حيالها كافة الصور البطولية، التي تنبثق من كبرياء النفس وشهواتها.
عاش ليقدم البرهان المضيء على أن التصوف في جوهره هو أعلى صور التسامي، كما هو أعلى صور الجهاد والفداء.