ويقول العلامة القوني في شرحه للتعرف: «إذا كمل انقطاع العبد إلى الله وفناؤه عن فعله، أصبح متحدثا بلسان الحقيقة.»
ثم يقول: «وأكثر ما يقع في كلام هذه الطائفة من الإشارات، محمول على هذا النوع من الاستعارات، ومن حملها على ظاهرها، أشكلت عليه معانيها، فأساء الظن بهم.
فأحيانا يتكلمون بلسان الحقيقة، كقول الحلاج: أنا الحق، وكقول ابن الفارض:
وإن عبد النار المجوس وما انطفت
كما جاء في الأخبار في ألف حجة
فما عبدوا غيري وما كان قصدهم
سواي وإن لم يضمروا عقد نيتي
وكقول الرسول - صلوات الله عليه - في حديث البخاري عن أبي هريرة: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة.»
إنما قاله
صلى الله عليه وسلم
حكاية عن ربه، وإن لم يصرح به، وقال: وما منا إلا وله مقام معلوم: فهذا على لسان الملائكة، وقال: وما نتنزل إلا بأمر ربك: فهذا على لسان جبريل، وهذا نوع لطيف حررت الكلام فيه في الإتقان، ومثال قول علي وفا:
كمالك طاعتي في كل حال
ونقصك أن تعاندني مرادي
فإن هذا قاله على لسان الحقيقة.»
ويقول الشيخ نجا في كتابه «كشف الأسرار»: «ذلك لأنه يشهدك تجلياته بسائر مخلوقاته، لكن بغير حلول ولا مماسة، ولا نوع من أنواع التجسيم والتشبيه، كما وقع لسيدنا موسى في تجليه سبحانه على النار، التي رآها موسى عليه السلام في جانب الشجرة، حيث سمع النداء، إني أنا الله لا إله إلا أنا، فلم ينكر موسى عليه السلام تجليه سبحانه في النار، بل آمن وصدق.»
ويقول السهروردي:
9 «فإذا نظر العاشق المسكين إلى نفسه لا يبصر بعد شيئا، إذا وجده مملوءا بهذا النور.
هنالك يصيح بأمثال تلك العبارة الوجدانية الإلهية المشهورة، التي قالها الحلاج: أنا الحق.»
ويقول الحلاج: «لا يستطيع أحد أن يقول أنا على الحقيقة، إلا الله وحده.»
ويقول العلامة الهجويري متحدثا عن مقام الفناء:
10
إنه توجه الفكر إلى المطلوب، وقصره عليه، وهكذا كان شأن مجنون ليلى، وجه فكره إلى ليلى، وقصره عليها، يراها في كل شيء، ويرى فيها كل شيء، وقد جاء بعضهم إلى صومعة أبي يزيد البسطامي، وسأل: أهنا أبو يزيد؟ فأجابه: أهنا أحد غير الله: ثم يقتبس عن الحلاج قوله:
تباركت مشيئتك يا ربي وسيدي
تباركت مشيئتك يا قصدي ومرادي
يا ذات وجودي وغاية رغبتي
يا حديثي وإيمائي ورمزي
يا جميعي وعنصري وأجزائي
ويحدثنا حجة الإسلام الإمام الغزالي عن التوحيد ومراتبه في كتابه الإحياء، وبعد شرحه للمراتب الأولى الثلاث، يقول:
11 «والرابعة ألا يرى في الوجود إلا واحدا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمية للصوفية: الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا، فلا يرى نفسه أيضا، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالتوحيد، كان فانيا عن نفسه في توحيده، بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه والخلق، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد.
وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج، حيث رأى الخواص يدور في الأسفار، فقال لي: ماذا أنت؟ فقال أدور في الأسفار لأصحح حالتي في التوكل. فقال الحسين: لقد أفنيت عمرك في عمران باطنك ، فأين الفناء في التوحيد؟»
فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث، فطالبه بالمقام الرابع. ثم يقول الغزالي: «العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذوقا وحالا، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم: أنا الحق، وقال الآخر: سبحاني ما أعظم شأني، وقال الآخر: ما في الجبة إلا الله، وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى.»
ثم يزيد الإمام الغزالي هذه المعاني إيضاحا، فيعقد في كتابه معراج السالكين، فصلا عن المعراج الرابع عند تفسيره لقوله تعالى: