الله نور السموات والأرض
فيقول:
12 «فأثبت أن المراد ليس النور الذي كالشعاع، ولا النور الذي هو مادة، ولا كنور البصر، ولا نور الشمس، ولا نور العقل، ولا نور العلم، وإنما هو النور الذي تظهر به الأشياء، وتقوم به الأشياء، وتعرف به الأشياء، وهو نور لا يوصف بالكثافة والتجسيم، وقد وصف الله تعالى ذلك بأن قال:
نور على نور .»
ويفيض الغزالي في شرح الآية الكريمة، وفي شرح معنى القيومية، ثم يقول: «فمن حقق من الصوفية، وعلم وقوف الأشياء عليه، وأن الأمور لا قوام لها دونه قال: ما في الجبة إلا الله، وقال: أنا الحق، مبالغة في التوحيد.»
ومن عجب أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهما علما السنة، يتحدثان عن مقام الفناء حديثا يتفق ويتسق تماما مع المنهج الصوفي، بألحانه ومواجيده وتعبيراته.
يقول ابن القيم:
13 «الفناء الذي يشير إليه القوم، ويعملون عليه، أن تذهب المحدثات في شهود العبد، وتغيب في أفق العدم، كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحق تعالى كما لم يزل، ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا، فلا يبقى له صورة ولا رسم، ثم يغيب شهوده أيضا فلا يبقى له شهود، ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات، وحقيقته أن يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.»
ويقول ابن تيمية:
14 «وقد يعرض لبعض العارفين في مقام الفناء والجمع والاصطلام والسكر، بقوة استيلاء الوجد والذكر عليه، من الحال ما يغيب فيه عن نفسه وغيره، فيغيب بمعبوده عن عبادته، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، ومثل هذا قد يعرض لبعض المحبين لبعض المخلوقين، كما يذكرون أن رجلا كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في اليم، فألقى المحب نفسه خلفه، فقال له: أنا وقعت فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني، فظننت أنك أني.
وينشدون:
رق الزجاج ورقت الخمر
وتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر
وهذه الحال تعرض لكثير من السالكين. ثم يقول: وأما قول الشاعر في شعره:
أنا من أهوى
ومن أهوى أنا
وقوله:
إذا كنت ليلى
وليلى أنا
فهذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد الوضعي، كاتحاد أحد المتحابين بالآخر، الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، وهو تشابه وتماثل، لا اتحاد العين بالعين، إذا كان قد استغرق في محبوبه، حتى فنى به عن رؤية نفسه، كقول الآخر:
غبت بك عني
فظننت أنك أني
ثم يقول:
15 «فهذه الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق، فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه، وعن نفسه، وبموجوده عن وجوده، فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده، فقد يقول في هذه الحال: أنا الحق، أو: سبحاني، أو: ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك، وهو سكران بوجد المحبة!»
ولم أجد في الدفاع عن الحلاج وتبرئته من تهمة الحلول والاتحاد أبلغ من كلام ابن تيمية خصم الصوفية الكبير.
من هذا المقام الذي جلاه لنا ابن تيمية كانت ألحان الحلاج.
ومواجيده التي عبر فيها عن صلته بالله، تعبيرات حارة ملتهبة، تضج بوجده، وتنبض بفناء ذاته، وتدندن بالقرب الذي يبيح له أن يتكلم بلسان الحقيقة، فيهتف:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
ثم يعود إلى لسان بشريته فيترنم:
أنا سر الحق ما الحق أنا
بل أنا حق ففرق بيننا
16
سأل النهرواني الحلاج أن يفيده بكلمة من التوحيد، فقال الحلاج: «اعلم أن العبد إذا وحد ربه تعالى فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه، فقد أتى بالشرك الخفي، وإنما الله تعالى هو الذي وحد نفسه على لسان من شاء من خلقه،
17
ثم ترنم:
يا سر سر يدق حتى
يخفى على وهم كل حي
وظاهرا باطنا تجلى
لكل شيء بكل شي
إن اعتذاري إليك جهل
وعظم شكي وفرط عي
يا جملة الكل لست غيري