ويقول العلامة الهجويري:
6 «هو درجة كمال يبلغها العارفون، الذين انتهى بهم الطلب إلى الكشف، فرأوا كل مرئي، وسمعوا كل مسموع، وأدركوا كل أسرار القلب، وأعرضوا عن كل شيء، وفنوا في مقصدهم، وفنيت في هذا المقصد كل مقاصدهم.»
والصوفية كما يقول المستشرق جولدزيهر:
7 «بإبرازهم للمثل الأعلى لكمال النفس الإنسانية، وتحديدهم للخير الأسمى في هذا المقام، يزيدون على الفلاسفة خطوة، ويسبقونهم درجة.»
وكما يقول العلامة ابن سبعين المرسي: «إن الفلاسفة الأقدمين رأوا أن الغاية المثلى هي التشبه بالله، بينما الصوفية يدأبون على الفناء في الله، وذلك بأن يكون الصوفي قابلا لأن يدع السنن الإلهية تغمره وتفيض عليه، وأن يمحو انفعالات الحواس، ويظهر مشاعر الروح.»
والحلاج عند صوفية ما وراء النهر جميعا، وعند الكثرة من رجال الاستشراق، أبرز وأقوى الشخصيت الصوفية التي عاشت هذا المقام، وتحققت به، وتذوقت إلهامه، وكشفت الأستار عن أسراره.
يقول شاعر الإسلام محمد إقبال في حديثه عن تطورات التفكير الديني في الإسلام:
8 «وقد بلغ تطور هذا المقام ذروته في تاريخ الإسلام، في عبارة الحلاج المشهورة «أنا الحق»، ولا مجال للشك في أن الولي الشهيد لم يكن يقصد من عبارته أن ينكر على الله صفة التنزيه، فالحلاج لم يستهدف بكلمته فناء الذات الإنسانية، واختفاءها في ذات الله، ولكنه إدراك لحقيقة النفس الإنسانية، وتأكيد جزئي لدوامها في شخصية أعمق، بعبارة قوية باقية على الدهر.»
ثم يقول: «وهذه التجربة في تاريخ الرياضة الدينية في الإسلام، تجعل الإنسان كما قال الرسول يتخلق بأخلاق الله.
وقد عبر عنها بعبارات، مثل: «أنا الحق» الحلاج، و«أنا الدهر» النبي محمد، و«أنا القرآن الناطق» علي بن أبي طالب.
وفي التصوف الإسلامي الرفيع ليس معنى أن إرادة الإنسان هي عين إرادة الله، أن النفس الإنسانية تمحو شخصيتها هي، بنوع من الاستغراق في الذات غير المتناهية، بل الأحرى أن الذات غير المتناهية تدخل بين أحضان محبها المتناهي، وهي حياة وقوة لا حد لها ولا عائق، تجعل الإنسان قادرا على إقامة الصلوات آمنا مطمئنا، والرصاص يتساقط من حوله.»
لقد انتهت الرياضة الروحية الرفيعة بالصوفية، إلى مقام الفناء، وذاق الصوفية في هذا المقام بروق التجليات وأنوار الهبات، ثم تخلوا فيه عن إرادتهم ومشيئتهم وصفاتهم، ليفنوا في إرادة الله ومشيئته وصفاته، ثم ليتخلقوا بأخلاقه.
فخرجوا بذلك من نطاق البشرية الترابية، إلى أفق الربانية العلوية، التي تقوم بالله، وتتكلم بالله، وتتحرك بالله، ولا ترى في الكون سواه.
ومن هذا الأفق كانت كلماتهم التي عبرت عن الله سبحانه، بأنه الظاهر في كل شيء، الباطن في كل شيء، فلا وجود للحقيقة لغيره.
ومن هذا المقام ومن أفقه انطلقت الاتهامات المجنحة قديما وحديثا، تحاول أن تحيل هذا المقام الروحي الإيماني إلى ما أسموه بالاتحاد والحلول حينا، وإلى ما أسموه بوحدة الوجود أحيانا.
وسر الاتهام هو عجز الأقلام المادية، مع علمها ومكانتها، عن تذوق فلسفة مقام الفناء.
إنها فلسفة تنبع من السفر الصوفي الطويل، في الطريق المضيء الصاعد إلى الله.
وهي فلسفة بنيت على تذوق، وعلى مشاهدة، وعلى محبة، فاستعصى فهمها على العقول، التي لم تتذوق، ولم تشهد ولم تحب.
يقول المستشرق نيكلسون: «إنه مقام أعلن الذين تمرسوا به أنه فوق التعبير والتصوير، فهو غاية لطريق تتحرر فيه الروح شيئا فشيئا من كل ما هو غير رباني، طريق يتلاشى فيه الصوفي عن وجوده الحسي.»
ويقول العلامة الكلاباذي في التعرف: «مشاهدات القلوب، ومشاهدات الأسرار، لا يمكن العبارة عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال.»