وقد عبد الحلاج ربه سبحانه بهذا الحب، عبادة حارة مضيئة أحاطت بحياته، وبثت فيها مذاقات وإلهامات، وعرضت على عين قلبه صورا من التجليات والمشاهدات، جعلته في شوقه ووجده يحس إحساسا روحيا بأنه مع من يحب، بل يحس إحساسا لا شعوريا في حيرته وذهوله، أن بشريته قد احترقت وفنيت في هذا المحبوب الأسمى.
يقول ماسنيون:
12 «وليس هناك من متصوف أكثر عشرة مع الله، يتصل في حديثه معه - أنا وأنت ونحن - دون إشارة إلى رموز الحب البشري من الحلاج.»
ثم يقول: «وليس هناك من شعر صوفي أشد حرارة، وأكثر بعدا عن المادة من شعر الحلاج.»
يقول الحلاج:
13
تباركت مشيئتك يا ربي وسيدي
تباركت مشيئتك يا قصدي ومرادي
يا ذات وجودي وغاية رغبتي
يا حديثي وإيماني ورمزي
يا كل كلي يا سمعي ويا بصري
يا جميعي وعنصري وأجزائي
لقد فنى الحلاج عن كل شيء، وأعرض عن كل شيء، واستغرقه حبه لربه، استغراقا جعله يحس بأن هذا الحب قد ملأ وجوده وقلبه وروحه.
إنه ليحب بكل ذرة من ذرات جسده، وبكل طاقة من طاقات روحه، حتى لم يعد كيانه كله إلا حبا وتجليا لمولاه وحبيبه.
حويت بكلي كل حبك يا قدسي
تكاشفني حتى كأنك نفسي
أقلب قلبي في سواك فلا أرى
سوى وحشتي منه ومنك به أنسي
فهل أنا في حب الحياة مجمع
من الأنس فاقبضني إليك من الحبس
14
ثم يقول:
15
مكانك من قلبي هو القلب كله
فليس لخلق في مكانك موضع
وحطتك روحي بين جلدي وأعظمي
فكيف تراني إن فقدتك أصنع
ثم يهتف في ضراعة باكية:
16
يا موضع الناظر من ناظري
ويا مكان السر من خاطري
يا جملة الكل التي كلها
أحب من بعضي ومن سائري
تراك ترثي للذي قلبه
معلق في مخلبي طائر
مدله حيران مستوحش
يهرب من قفر إلى آخر
يسري وما يدري وأسراره
تسري كلمح البارق الثائر
كسرعة الوهم لمن وهمه
على دقيق الغامض الغابر
في لج بحر الفكر تجري به
لطائف من قدرة القادر
والحلاج لا يكتم حبه، فأطيب الحب وأعذبه ما سار الحديث به، وتناقلته الرواة.
الحب ما دام مكتوما على خطر
وغاية الأمن أن تدنو من الحذر
وأطيب الحب ما تم الحديث به
كالنار لم تؤت نفعا وهي في الحجر
من بعد ما حضر الأحباب واجتمع ال
أعداء واختط اسمي صاحب الخبر
أرجو لنفسي برءا من محبتكم
إذا تبرأت من سمعي ومن بصري
17
وهو قلق في حبه، تتقاذفه أمواج الوجد والشوق، إلى محيطات ليس لها شط.
ما زلت أطفو في بحار الهوى
يرفعني الموج وأنحط
فتارة يرفعني موجها
وتارة أهوى وأنغط
حتى إذا صيرني في الهوى
إلى مكان ما له شط
ناديت يا من لم أبح باسمه
ولم أخنه في الهوى قط
تقيك نفسي السوء من حاكم
ما كان هذا بيننا شرط
18
والحلاج في حبه يخاطب محبوبه الأسمى مواجهة، يقول ماسنيون: «إن أسلوب الحلاج في الحب أسلوب مجرد من المظاهر المادية، فهو لا يستعمل الطريقة الرمزية - ليلى، لبنى - التي تتخذ شكلا من أشكال الحب الدنيوي.»
سكنت قلبي وفيه منك أسرار
فليهنئك الدار بل فليهنئك الجار
ما فيه غيرك من سر علمت به
فانظر بعينك هل في الدار ديار
وليلة الهجران طالت وإن قصرت
فمؤنسي أملي فيها وتذكار
إني لراض بما يرضيك من تلفي
يا قاتلي ولما تختار أختار
19
ثم يوغل الحلاج في حبه، وفي قربه، وفي طاعته، وفي أنسه بربه، حتى يكون الله سبحانه بصره وسمعه، ويده وبدنه، فيهتف في نشوة وجده، وحرقة فنائه:
لبيك لبيك يا سري ونجوائي
لبيك لبيك يا قصدي ومعنائي
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل
ناديت إياك أم ناجيت إيائي
يا عين عين وجودي يا مدى هممي
يا منطقي وعباراتي وإعيائي
يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري
يا جملتي وتباعيضي وأجزائي
يا من به علقت روحي فلقد تلفت
وجدا فصرت رهينا تحت أهوائي
أبكي على شجني من فرقتي وطني
طوعا ويسعدني بالنوح أعدائي
أدنو فيبعدني خوفي فيقلقني
شوق تمكن في مكنون أحشائي
فكيف أصنع في حب كلفت به
مولاي قد مل من سقمي أطبائي
قالوا تداو به منه فقلت لهم