يا قوم هل يتداوى الداء بالدائي
حبي لمولاي أضناني وأسقمني
فكيف أشكو إلى مولاي مولائي
إني لأرمقه والقلب يعرفه
فما يترجم عنه غير إيمائي
يا ويح روحي من روحي فوا أسفي
علي مني فإني أصل بلوائي
كأنني غرق تبدو أنامله
تغوثا وهو في بحر من الماء
وليس يعلم ما لاقيت من أحد
إلا الذي حل مني في سويدائي
يا غاية المسئول والمأمول يا سكني
يا عيش روحي يا ديني ودنيائي
قل لي فديتك يا سمعي ويا بصري
لماذا اللجاجة في بعدي وإقصائي
إن كنت بالغيب عن عيني محتجبا
فالقلب يرعاك في الإبعاد والنائي
20
ويمشي خطوات على لهيب وجده المقدس، معتزا فخورا بتحليقاته التي عجزت عنها أجنحة المحبين من قبل.
لقد وسم الحب قلبه بميسم الشوق العنيف الجبار، حتى غاب عن شهود ذاته، لقد استغرقته أنوار لا يرى معها سواها:
وخضت في لج بحر فكري
أمر فيه كمر سهم
وطار قلبي بريش شوق
مركب في جناح عزمي
إلى الذي إن سئلت عنه
رمزت رمزا ولم أسمي
حتى إذا جزت كل حد
في فلوات الدنو أهمي
نظرت إذ ذاك في سجال
فما تجاوزت حد رسمي
فجئت مستسلما إليه
حد قيادي بكف سلمي
قد وسم منه الحب قلبي
بميسم الشوق أي وسم
وغاب عني شهود ذاتي
بالقرب حتى نسيت اسمي
21
وحب الحلاج هو كل آماله وأحلامه، هو دينه ودنياه، إنه حب قلب أبصر فعشق فاحترق.
كانت لقلبي أهواء مفرقة
فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده
وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
ما لامني فيك أحبابي وأعدائي
إلا لغفلتهم عن عظم بلوائي
تركت للناس دنياهم ودينهم
شغلا بحبك يا ديني ودنيائي
أشعلت في كبدي نارين واحدة
بين الضلوع وأخرى بين أحشائي
ثم يقول مترنما:
ولا هممت من شرب الماء من عطش
إلا رأيت خيالا منك في الماء
النار أبرد من ثلج على كبدي
والسيف ألين من هجران مولائي
22
ومن مناجاته:
غبت وما غبت عن ضميري
وصرت فرجتي وسروري
وانفصل الفصل بافتراق
فصار في غيبتي حضوري
فأنت في سر غيب همي
أخفى من الوهم في ضميري
تؤنسني بالنهار حقا
وأنت عند الدجى سميري
23
ومن ألحانه:
لي حبيب حبه وسط الحشا
لو يشا يمشي على قلبي مشا
روحه روحي وروحي روحه
إن يشا شئت وإن شئت يشا
24
ومن ترنيماته:
مزجت روحك في روحي
كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني
فإذا أنت أنا في كل حال
25
ومن مواجيده:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته
وإذا أبصرته أبصرتنا
26
وفي لحظات يقظته الروحية يشرح لنا في أدق عبارة، وأبين منطق، حقائق كلماته، في سبحات نشوته، واحتراقات وجده، ولحظات فنائه عن ذاته.
إنها كلمات من استغراقات المشاهدة، لا تقصد لذاتها، وإنما تعبر في لحظات التجلي عن فناء صفاتها في لهيب وجدها، فلا ترى في الكون إلا هو سبحانه.
عجبت منك ومني
يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى
ظننت أنك أني
وغبت في الوجد حتى
أفنيتني بك عني
يا نعمتي في حياتي
وراحتي بعد دفني
ما لي بغيرك أنس
من حيث خوفي وأمني
27
ومنهج الحلاج في الحب هو العذاب لا اللذة، هو التضحية، التضحية الكاملة بالنفس، وهذه التضحية هي أسمى درجات الحب؛ لأنها أكبر الآيات على صدق المحب في حبه.
يقول نيكلسون:
28 «أما الحلاج فيرى أن محبة الله لعباده ورحمته بهم فوق كل شيء، وأن أساس المحبة التضحية، وأن المحب يجب أن يشقى من أجل محبوبه، من غير أن يسأل عن الأسباب، وأن الواجب على أولياء الله أن يتوجهوا إلى الله وحده، ويتحققوا بمعنى العبودية الكاملة، ويطيعوا أمره مهما كلفهم ذلك من عنت وشقاء.»
ويقول الحلاج:
29 «المحبة لذة، والحق لا يتلذذ به؛ لأن مواضع الحقيقة دهش وحيرة!»
ثم يقول: «محبة العبد لله تعظيم يحل الأسرار، فلا يستجيز تعظيم سواه، ومحبة الله للعبد هو أن يبليه فلا يصلح لغيره!»
| مقام الفناء الصوفي وشبهات الاتحاد والحلول
وانتهى الحب الإلهي بالصوفية إلى ذروة التجربة الروحية، إلى مقام الفناء، ففنوا في محبوبهم الأعلى، فناء لم يشاهدوا خلاله غير جمال الحبيب، وهم في بحر الفناء الزاخر، لا يحسون بشيء من الموجودات؛ لأن الإحساس قد فنى بالنسبة لهذه الموجودات، واتجه بكليته لمطالعة جمال المحبوب.