تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحب الإلهي في التصوف الإسلامي يدين للحلاج دينا كبيرا، فقد ترك في المحبة وما يتصل بها، ويدور حولها ثروة خصبة حية غدت مادة الصوفية في هذا المنهج، ودستورهم المتلألئ في هذا الأفق.

بل يرى ماسنيون: أن الحلاج هو الشخصية الكاملة التي تمثل أصدق تمثيل أسمى ما وصل إليه الحب الإلهي في التصوف الإسلامي.

ويقول نيكلسون:

9 «لقد نمت على يد الحلاج أكبر حركة تطور في تاريخ التصوف، فهو المبتكر الأول للمصطلحات الصوفية، التي وسعت آفاق التصوف، وهو الذي جعل من الحب الإلهي فلسفة كاملة، ومنهجا متماسكا، وأن كل من جاء بعده إنما كان ينسج ويقلد.»

ويقول الأستاذ عبد الحكيم حسان، متحدثا عن نمو التصوف وتطوره، من الزهد إلى المحبة:

10 «أما حين انتهى أمر الحب الإلهي إلى الحلاج، فإنه اتخذ شكلا قويا لما رتب عليه الحلاج من مذاهب صوفية كثيرة؛ فقد تكلم صراحة في اتحاد المحب بالمحبوب، اتحادا يزيل صفة البشرية عن المحب، باستبداله بصفاته صفات الله عز وجل، وصحب هذا كلام في اللاهوت والناسوت لأول مرة في تاريخ التصوف.

كما استتبع كلامه في الحب الإلهي كلاما آخر في - النور المحمدي - لأن من أحب الله فقد أحب حبيبه محمدا، وانتهى به كلامه في الحب إلى القول بوحدة الأديان.

وهكذا ترك الحلاج في الحب الإلهي وما يتصل به ثروة ضخمة من بين منظوم ومنثور.»

ويقول المستشرق بروان: «كان ظهور الحلاج إيذانا ببدء مرحلة جديدة في التصوف الإسلامي، نثره وشعره على السواء، خاصة في الحب الإلهي.»

ولا جدال في أن أخلد صفحات الحب الإلهي في التصوف الإسلامي هي الصفحات التي كتبها الحلاج نثرا ونظما، كتبها بذوب قلبه، وبقطرات روحه، وبأشد حرقة ووجد، عرفا عن محب أفنى وجوده وكيانه وروحه في محبوبه الأسمى.

يقول الحلاج: «حقيقة المحبة، قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصال بأوصافه.»

لقد استهدف الحلاج بحبه الفناء الكامل، ليخرج من بشرية صفاته، إلى بهاء التحلي بأوصاف القدس الأعلى.

استهدف الارتفاع بالبشرية إلى مرتبة الحقيقة الربانية، التي يكمن وراء سترها المقدس سر الوجود، وسر الخلق.

فالخلق أصلا برز من عالم الغيب بالحب، وخلق بالحب، وتشكلت حقائقه وصفاته بالحب، ومن هنا أصبح الحب هو سر الكون.

وبهذا الحب وحده يمكن الإنسان أن يتصل بالحقيقة العليا، وبالمعرفة العليا، وأخيرا يمكنه به أن يحقق في ذاته الإنسان الكامل، الإنسان الذي يتخلى عن ترابيته، ليتحلى ببهاء الرجل الرباني، الذي يعيش في فيض من نور ربه وحبه.

يقول الحلاج: «كان الله قبل أن يخلق خلقه، يتحدث إلى نفسه في أحديته، حديثا حمديا، وهو يتأمل روعة ماهيته، وتأمله لذاته في بساطة هو الحب.

والحب في ماهيته هو ماهية الماهية، وهو فوق كل تشكل بأشكال الصفات، وهكذا يحب الله ذاته في انفراده بحمد ذاته، ويتجلى في الحب.

وعن هذا التجلي الأول للحب، في المطلق الإلهي، ظهرت صفاته وأسماؤه.

فبالحب تجلى لنفسه في نفسه، فلما أحب أن يرى ذلك الحب بعيدا عن الغيرية والثنوية في صورة ظاهرة، أخرج من العدم صورة لها جميع صفاته وأسمائه، فكانت هذه الصورة الإلهية آدم الذي تجلى الحق فيه.»

11

وهذا ارتفاع بالإنسان والإنسانية، تنبثق منه فلسفة إيمانية ربانية، هي الفلسفة التي شكلت أبدع وأضوأ جوانب الحياة الروحية في تاريخ التصوف الإسلامي.

ومن هنا كانت نظرية الحلاج، التي اعتنقها الصوفية جميعا، تلك النظرية التي جعلت الحب، والحب وحده هو المعراج الموصل لمعرفة الله.

يقول الحلاج: «لا سبيل إلى معرفة الله بالعلم، بل إن الحب هو الطريق إليها،؛ إذ ليست المعرفة الفكرية للقضاء الإلهي هي التي تقربنا من الله، بل إنما هو خضوع القلب للأمر الإلهي في كل لحظة.»

ومن هنا يقول الحلاج: «ما من أحد يعبد الله بفعل يكون أحب إلى الله من حبه تعالى.»

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٦٣