تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك الحب الذي يغسل قلبه من الدنيا، ويطلق كنوز روحه العليا، ويمنحه مذاقات الأنس والقرب، وما إلى الأنس والقرب من هبات التجربة الصوفية وعطاياها.

ذلك الحب هو عنوان التصوف، وهو البذرة الأم، التي نمت منها أغصانه، وانبثق زهره، وأينع ثمره.

وقد جعل الصوفية من هذا الحب فلسفة تحيط بكل شيء في الكون، وتمتد أجنحتها إلى كل أفق في الحياة.

فلسفة تمسح من وجه الكون الكبير قناعه المادي، لتحيل الكون جميعه إلى أرواح حساسة عابدة مسبحة؛ لأنها بالحب خلقت، وبالحب قامت، وبالحب تسبح وتهتف.

ثم تمشي إلى الأخلاق الإنسانية، فتنفخ فيها من روح الله، وتسمو بها إلى هداه ورضاه.

يقول جلال الدين الرومي، شاعر التصوف الفارسي: «الحب دواء كبريائنا وغرورنا بأنفسنا، وهو الطبيب لضعفنا كله، ومن استعار الحب ثوبه، برئ أصالة من كل إثرته.»

1

وعلى قدر محبة الصوفي لربه، تكون محبته لعباده ولكونه، بكل ما فيه، وبكل ما ينطوي عليه.

والحب الإلهي يضفي على الكون الجمال المطلق: الله نور السموات والأرض، ويضفي على أحداث الحياة الرضا، فكل شيء جميل؛ لأنه من قضاء الله، ومن إرادته، وقضاء الحبيب حبيب.

والحب كما يقول الصوفية: «هو سكر المشاهدة، وشجاعة الباذل، وإيمان الولي، والأصل الأصيل للتحقق الخلقي، والإدراك الروحي، هو نبذ النفس وتضحيتها، والتخلي عن كل مملوك من مال أو جاه، أو إرادة أو حياة، وعن كل ما يضن به الناس، لوجه المحبوب، دون تفكير في جزاء.»

2

والحب الإلهي هو المصدر الحقيقي الذي استمدت منه الموجودات وجودها، وهو سبيل المعرفة العليا، فإذا فنيت النفس عن أوصافها بالحب، انكشفت لها الأسرار، ورفعت عنها الأستار.

يقول المستشرق جولد زيهر :

3 «فمحبة الله هي إذن خلاصة ما انتهى إليه هذا المجهود المركز الذي بذلته أرواح الصوفيين، لكي يفنى خيال الوجود الشخصي في حقيقة الكائن الإلهي، الشاملة لكل شيء، وقد أنتجت هذه الفكرة في كافة لغات الأمم الإسلامية الراقية أدبا شعريا يعد في مرتبة الدرر الفريدة في الأدب العالمي، وهذه الفكرة العامة كانت أساسا فلسفيا كافيا لأن يدعم حياة النسك والتصوف.»

والحب الإلهي ليس شرعة عامة للناس جميعا، إنما هو هبة الله للصفوة المختارة، التي سبق له منها الحسنى.

قيل لمعروف الكرخي: «أخبرنا عن المحبة أي شيء هي؟ قال: يا أخي ليس المحبة من تعليم الناس، المحبة من تعليم الحبيب.»

4

ويقول أبو يزيد البسطامي: «توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه، فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.»

5

ويقول الإمام الغزالي:

6 «إن لله تعالى شرابا يسقيه في الليل قلوب أحبائه، فإذا شربوا طارت قلوبهم في الملكوت الأعلى، حبا لله تعالى، وشوقا إليه.»

وسئل أبو سعيد الخراز عن المحبة، فقال: «طوبى لمن شرب كأسا من محبته، وذاق نعيما من مناجاة الجليل وقربه، بما وجد من اللذات بحبه، فملئ قلبه حبا، وطار بالله طربا، وهام به اشتياقا، فيا له من رامق، أسف بربه، كلف دنف، ليس له سكن غيره، ولا مألوف سواه!»

7

ويقول أبو القاسم الجنيد: «سألني السري السقطي يوما عن المحبة؟ فقلت: هي الموافقة، وقال قوم: الإيثار، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد! ثم قال: وعزته تعالى لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت، ثم غشي عليه.»

ويقول جلال الدين الرومي عن الحب: «هو الكحل الذي تكتحل به عين القلب فينجلي بصرها.»

8

والحب في منطق الصوفية هو أسمى العبادات وأزكاها، وهو معراج المعرفة، وبراق القرب، يقول فريد الدين العطار: «ما لم أتجه بقلبي إليك أعد صلاتي غير جديرة بأن تعد صلاة.»

ويقول الشبلي: «لأن تحس أنك واحد مع الله خير من عبادة الناس جميعا، من بدء الدنيا إلى غايتها.»

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٦٢