تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

وأبو العباس بن عطاء يزيد الأمر غموضا وإبهاما، فيجعل من عجائب الحلاج، أو من كراماته سرا يجب أن يصان، وأن يضن به على غير أهله.

ومصرع الحلاج أيضا تحيط به الخوارق أو الكرامات، كما يتحدث الرواة، فجسده يبقى ساعات حيا بعد قطع رأسه؟ ودمه يخط على الأرض ... لا إله إلا الله!

وعندي أن أروع خوارق الحلاج أو كراماته هي فدائيته وبطولته الصادرة في إيمان عميق، وثبات رهيب، وصبر معجز، أمام هول من العذاب لا يحتمله بشر!

لم يضعف، ولم يهن، ولم يتراجع، ولم يغفل لسانه أو قلبه لحظة أو سائحة عن ذكر الله، والتغني بحبه.

والحلاج بعد هذا من أصحاب الرياضات والمجاهدات، بل هو قمة شامخة في المجاهدات والرياضات الروحية، حمل نفسه فيها على الصعب الأشق، وهي طريق ينبت دائما هذه الخوارق، أو هذه الكرامات.

والخارقة أو الكرامة من الأمور التي يكاد الإجماع ينعقد على جوازها للصفوة الممتازة المختارة، من المؤمنين البررة، يجريها الله سبحانه على أيديهم، تثبيتا لهم، إو إظهارا لمقامهم، فضلا منه سبحانه وكرما.

والصوفية يجعلون الكرامة من طبيعة حياتهم الروحية المضيئة، ويقولون: إن الولاية لم يدعها في الإسلام سواهم، وهي آية صدقهم وتقواهم.

ولكن الصوفية مع هذا لا يكبرون من شأن الكرامة، ولا يعتزون بالخارقة، بل يرونها من أنواع الابتلاء، وأن الوقوف معها من علامات النقص.

والكرامة الكبرى عندهم هي ترقيهم في معارج الكمال الخلقي والروحي، وثباتهم في هذه المعارج، وتذوقهم لها، مع حفظ جوارحهم وقلوبهم وألسنتهم حفظا ربانيا، هو علامة الرضا، وآية القبول، ودليل الكرامة الأعلى.

يقول سهل بن عبد الله التستري: «أكبر الكرامات أن تبدل خلقا مذموما من أخلاق نفسك بخلق محمود.»

ويقول أبو القاسم الجنيد: «إن الاتكال على الكرامات أحد الحجب التي تمنع المختار من النفوذ إلى صومعة الحق المحجبة.»

ويقول أبو الحسن الخرقاني: «الكرامات أول مراحل ألف في الطريق إلى الله.»

| الحلاج والحب الإلهي

مفتاح شخصية الحلاج هو حبه الإلهي، فهو سمته وطابعه، وهو الذي شكل ملامحه الروحية، وكون معارفه الذوقية، وهو معراجه الذي صعد عليه، مستهدفا الوصول إلى شيء يدق على التعبير، ويسمو على التصور والتصوير، إلى الفناء في المحبوب الأسمى، فناء يمنحه الخلود والبقاء، ويضفي عليه بهاء الرجل الإلهي.

عاش الحلاج بالحب وللحب، فهو قوته الروحي، وغذاؤه القلبي، وهو ملهب أشواقه، ومبدع مواجيده، ومطلق ألحانه، وهو أفقه الفسيح المتلألئ، الذي تترقرق فيه الأنوار، وتتجلى فيه الأسرار.

والحب هو التصوف، والتصوف هو الحب، ولقد حاول رجال المنهج الصوفي قديما وحديثا أن يعرفوا التصوف، فابتدعوا وابتكروا كلمات مضيئة، تعبر عن الأخلاق، وعن الزهد، وعن التسامي، وعن العبادة، ولكنها عندي جميعا إنما تعبر تعبيرا جزئيا لا يصور المنهج الصوفي، ولا يحيط به.

فالتصوف في جوهره هو الصلة الدائمة اليقظة الحية بالله، هو محاولة تجريبية لعودة الإنسان، بكل جزئية في كيانه الروحي، إلى مبدعه ومولاه.

هو إيقاظ عين القلب، لتتفتح بكل طاقاتها التي أودعها الله فيها، لتكون مبصرة في عالم المشاهدة، فترى الله في كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء.

والصوفي في تجربته الكبرى مسافر في ملكوت السماء والأرض، يسلك طريقا روحيا تتوالى فيه وتتابع الأحوال والمقامات، بإلهاماتها وأذواقها ومعارفها ، حتى يصل من المقام الأول، مقام التوبة، إلى المقام الأعلى، مقام الفناء بالله والبقاء به، ليغدو ربانيا سمعه بالله، وبصره بالله، وكل ما يصدر عنه، وينبثق منه، ويتحرك فيه، إنما هو لله وبالله.

وبراقه الصاعد، ومعراجه ودليله وهاديه في طريقه، هو حبه لربه، ذلك الحب الذي يحرق فيه كل ما هو ترابي، ليبقى كل ما هو روحي رباني.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٦١