ولا يكتفي خصوم الحلاج بهذا، بل يضعون على لسانه كلمات يتهم فيها نفسه، بأنه يتعلم السحر، ولماذا يتعلمه، ليدعو به الخلق إلى الله!
يقول صاحب «تاريخ بغداد»:
11 «سمعت علي بن أحمد الحاسب قال: سمعت والدي يقول: وجهني المعتضد إلى الهند لأمور أتعرفها ليقف عليها، وكان معي بالسفينة رجل يعرف بالحسين بن منصور، وكان حسن العشرة، طيب الصحبة، فلما خرجنا من المركب ونحن على الساحل، والحمالون ينقلون الثياب من المركب إلى الشط، فقلت له: إيش جئت إلى هنا؟ قال: جئت لأتعلم السحر، وأدعو الخلق إلى الله تعالى.
قال: وكان على الشط كوخ وفيه شيخ كبير، فسأل الحسين بن منصور، هل عندكم من يعرف شيئا من السحر؟ قال: فأخرج الشيخ كبة غزل، وناول طرفه الحسين بن منصور، ثم رمى الكبة في الهواء، فصارت طاقة واحدة، ثم صعد عليها ونزل، وقال للحسين بن منصور: مثل هذا تريد؟ ثم فارقني ولم أره بعد ذلك إلا ببغداد.»
ويقول أيضا:
12 «... أنبأنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال: قال المزين: رأيت الحسين بن منصور في بعض أسفاره، فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى الهند أتعلم السحر، أدعو به الخلق إلى الله عز وجل!»
يقول الأستاذ عبد الحكيم حسان:
13 «يحمل على تكذيبهما أنهما مما روي بعد محنة الحلاج، ومما يرجح ذلك أن الراوي الأول هو والد علي بن أحمد الحاجب، كان موظفا في قصر المعتضد، ومركزه يحتم عليه نصرة المذهب السني الذي يعمل القصر والحكومة على حمايته، وأن الراوي الثاني هو أبو الحسن علي بن محمد المزين، وهو من خصوم الحلاج.»
حتى الروايات التاريخية التي تنطق بصدق الحلاج وترفعه، ونفوره مما ينسب إليه من الخوارق، يحاول الرواة إرضاء للسياسة العامة أن يعقبوا عليها بكلمات الشك والتجريح!
يقول الخطيب البغدادي:
14 «أنبأنا علي بن أبي علي البصري، أخبرني أبي قال: حدثني أبو الحسن محمد بن عمر القاضي، قال: حملني خالي معه إلى الحسين بن منصور الحلاج، وهو إذ ذاك في جامع البصرة يتعبد ويتصوف ويقرأ، قبل أن يدعي تلك الجهالات ويدخل في ذلك، وكان أمره إذ ذاك مستورا، إلا أن الصوفية تدعي له المعجزات من طريق التصوف، وما يسمونه مغوثات، لا من طريق المذاهب.
قال: فأخذ خالي يحادثه وأنا صبي جالس معهما أسمع ما يجري، فقال لخالي: قد عملت على الخروج من البصرة، فقال له خالي: لم؟ قال: قد صير لي أهل هذا البلد حديثا، فقد ضاق صدري وأريد أبعد منهم، فقال له: مثل ماذا؟ قال: يروني أفعل أشياء فلا يسألوني عنها، ولا يكشفونها، فيعلمون أنها ليست كما وقع لهم، ويخرجون فيقولون: الحلاج مجاب الدعوة، وله مغوثات، قد تمت على يده ألطاف، ومن أنا حتى يكون لي هذا؟ بحسبك أن رجلا حمل إلي منذ أيام دراهم، وقال لي: اصرفها إلى الفقراء فلم يكن يحضرني في الحال أحد، فجعلتها تحت بارية من بواري الجامع إلى جنب أسطوانة عرفتها، وجلست طويلا فلم يجئني أحد، فانصرفت إلى منزلي وبت ليلتي، فلما كان من غد جئت إلى الأسطوانة وجعلت أصلي، فاحتف بي قوم من الفقراء، فقطعت الصلاة وشلت البارية فأعطيتهم تلك الدراهم، فشنعوا علي بأن قالوا: إني إذا ضربت يدي إلى التراب، صار في يدي دراهم، قال: وأخذ يعدد مثل هذا، فقام خالي عنه وودعه ولم يعد إليه، وقال: هذا منمس وسيكون له بعد هذا شأن، فما مضى إلا قليل حتى خرج من البصرة وظهر أمره.»
يقول طاهر بن أحمد التستري:
15 «تعجبت من أمر الحلاج، فلم أزل أتتبع وأطلب الحيل، وأتعلم النيرنجات لأقف على ما هو عليه! فدخلت عليه يوما من الأيام، وسلمت وجلست ساعة، ثم قال لي: يا طاهر لا تتمن، فإن الذي تراه وتسمعه من فعل الأشخاص لا من فعلي، لا تظن أنه كرامة أو شعوذة! فصح عندي أنه كما يقول.»
ويقول أبو العباس الرزاز: «قلت لأبي العباس بن عطاء: ما تقول في الحسين بن منصور؟ فقال: ذاك مخدوم من الجن، قال: فلما كان بعد سنة، سألته عنه، فقال: ذاك من حق، فقلت له: قد سألتك عنه قبل هذا فقلت: مخدوم من الجن، وأنت الآن تقول هذا! فقال: نعم، ليس كل من صحبنا يبقى معنا، فيمكننا أن نشرفه على الأحوال! وسألت عنه وأنت في بدء أمرك، وأما الآن وقد تأكد الحال بيننا، فالأمر فيه ما سمعت.»