قال: واشتغل بصدره وبعينه وما لحقهما من السمكة، وخرجت فلما صرت خارج الدار طرحت نفسي مستلقيا لما لحقني من الجزع والفزع، فخرج إلي وضاحكني، وقال: ادخل، هيهات والله لئن دخلت لا تتركني أخرج أبدا، فقال: اسمع، والله إن شئت قتلك على فراشك لأفعلن، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستورا، فأنت آمن على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني ودخل، فعلمت أنه يقدر على ذلك، بأن يدس أحد من يطيعه ويعتقد فيه ما يعتقده فيقتلني، فما حكيت الحكاية إلى أن قتل!»
وقصة ثالثة، يبدو فيها الراوية متهكما ماجنا ساخرا من كل القيم الإنسانية.
يقول صاحب «تاريخ بغداد»:
9 «أخبرنا علي بن أبي علي عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق: أن الحسين بن منصور الحلاج لما قدم بغداد يدعو، استغوى كثيرا من الناس والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى لدخوله من طريقهم.
فراسل أبا سهل بن نوبخت يستغويه، وكان أبو سهل من بينهم مثقفا فهما فطنا، فقال أبو سهل لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها قد تأتي فيها الحيل، ولكن أنا رجل غزل، ولا لذة لي أكبر من النساء وخلوتي بهن، وأنا مبتلى بالصلع، حتى إني أطول قحفي وآخذ به إلى جبيني، وأشده بالعمامة، وأحتال فيه بحيل، ومبتلى بالخضاب لستر المشيب، فإن جعل لي شعرا ورد لحيتي سوداء بلا خضاب، آمنت بما يدعوني إليه كائنا ما كان! إن شاء قلت: إنه باب الإمام! وإن شاء الإمام! وإن شاء قلت: إنه النبي، وإن شاء قلت: إنه الله!
قال: فلما سمع الحلاج جوابه آيس منه، وكف عنه، قال أبو الحسن: وكان الحلاج يدعو كل قوم إلى شيء من هذه الأشياء التي ذكرها أبو سهل!»
ثم يقول: «وأخبرني جماعة من أصحابنا أنه لما افتتن الناس بالأهواز وكورها بالحلاج، وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها، والدراهم التي سماها دراهم القدرة، حدثت أبا علي الجبائي بذلك، فقال لهم: هذه الأشياء محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها، ولكن أدخلوه بيتا من بيوتكم لا من منزله هو، وكلفوه بأن يخرج منه جزرتين، فإن فعل فصدقوه.
فبلغ الحلاج قوله، وأن قوما قد عملوا على ذلك، فخرج عن الأهواز!»
وتمضي قصص الخصوم هادفة مجرحة، يصعد بها الرواة إلى راو أخير، لا يذكر اسمه، وإنما يذكر نعته، وهو أنه من الثقاة!
يقول الخطيب البغدادي:
10 «أنبأنا علي بن أبي علي المعدل عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدثني غير واحد من الثقات من أصحابنا: أن الحسين بن منصور الحلاج كان قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل، وافقه على حيلة يعملها، فخرج الرجل فأقام عندهم سنين يظهر النسك والعبادة، ويقرأ القرآن ويصوم، فغلب على البلد حتى إذا علم أنه قد تمكن أظهر أنه قد عمي، فكان يقاد إلى مسجده، ويتعامى عن كل أحد شهورا.
ثم أظهر أنه قد زمن، فكان يحبو ويحمل إلى المسجد حتى مضت سنة على ذلك، وتقرر في النفوس زمانته وعماه، فقال لهم بعد ذلك: إني رأيت في النوم كأن النبي
صلى الله عليه وسلم
يقول لي: إنه يطرق هذا البلد عبد صالح مجاب الدعاء، يكون عافيتك على يده وبدعائه، فاطلبوا إلى كل من يجتاز من الفقراء، أو من الصوفية، فلعل الله أن يفرج عني على يد ذلك العبد وبدعائه، كما وعدني رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فتعلقت النفوس إلى ورود العبد الصالح، وتطلعته القلوب، ومضى الأجل الذي كان بينه وبين الحلاج، فقدم البلد فلبس الثياب الصوف الرقاق، وتفرد في الجامع بالدعاء والصلاة، وتنبهوا على خبره، فقالوا للأعمى: فقال: احملوني إليه، فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج، قال له: يا عبد الله إني رأيت في المنام كيت وكيت، فتدعو الله لي، فقال: ومن أنا وما محلي؟ فما زال به حتى دعا له ثم مسح يده عليه، فقام المتزامن صحيحا مبصرا! فانقلب البلد وكذا الناس على الحلاج، فتركهم وخرج من البلد، وأقام المتعامي المتزامن فيه شهورا، ثم قال لهم: إن من حق نعمة الله عندي، ورده جوارحي علي أن أنفرد بالعبادة انفرادا أكثر من هذا، وأن يكون مقامي في الثغر، وقد عملت على الخروج إلى طرسوس، فمن كانت له حاجة تحملتها، وإلا فأنا أستودعكم الله، قال: فأخرج هذا ألف درهم فأعطاه، وقال: اغزيها عني، وأعطاه هذا مائة دينار، وقال: اخرج بها غزاة من هناك، وأعطاه هذا مالا، وهذا مالا، حتى اجتمع ألوف دنانير ودراهم، فلحق بالحلاج فقاسمه عليها!»