تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: فلما كان وقت المغرب جئت إليه، وقلت له: قد أمسينا فقم بنا حتى نفطر، فقال: تأكل على أبي قبيس؟ فأخذنا ما أردنا من الطعام، وصعدنا على أبي قبيس، وقعدنا للأكل، فلما فرغنا من الأكل، قال الحسين بن منصور: لم نأكل شيئا حلوا، فقلت: أليس قد أكلنا التمر؟ فقال: أريد شيئا قد مسته النار!

فقام وأخذ ركوبته وغاب عنا ساعة، ثم رجع ومعه جام حلواء، فوضعه بين أيدينا، وقال: باسم الله، فأخذ القوم يأكلون، وأنا أقول مع نفسي، قد أخذ في الصنعة التي نسبها إليه عمرو بن عثمان!

قال: فأخذت منه قطعة ونزلت الوادي، ودرت على الحلويين أريهم ذلك الحلواء، وأسألهم هل يعرفون من يتخذ هذا بمكة؟ فما عرفوه، حتى حمل إلى جارية طباخة فعرفته، وقالت: لا يعمل هذا إلا بزبيد، فذهبت إلى حاج زبيد - وكان لي فيه صديق - وأريته الحلواء فعرفه، وقال: يعمل هذا عندنا إلا أنه لا يمكن حمله، فلا أدري كيف حمل، وأمرت حتى حمل إليه الجام، وتشفعت إليه ليتعرف الخبر بزبيد، هل ضاع لأحد من الحلاويين جام، علامته كذا وكذا، فرجع الزبيدي إلى زبيد.

وإذ إنه حمل من دكان إنسان حلاوي، فصح عندي أن الرجل مخدوم!»

وأبو يعقوب النهرجوري راوي القصة، من الصوفية الذين خاصموا الحلاج، خصومة مرة عنيفة، ومن الذين أثاروا حوله الصيحات المرعدة، واتهموه بالسحر والشعوذة!

ونمشي مع الجانب المخاصم للحلاج خطوة أخرى، لنستمع إلى شاهد آخر، يروي قصة ثانية نسبها إلى مجهول أسماه بالمنجم.

وهي قصة كما يقول راويها لم تذكر في حياة الحلاج، وإنما ذكرت بعد مصرعه!

يقول صاحب «تاريخ بغداد»:

8 «حدثنا علي بن أبي علي، حدثني أبي قال: أخبرني أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازي، قال: أخبرني فلان المنجم - وأسماه ووصفه بالحذق والفراهة - قال: بلغني خبر الحلاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب التي يدعي أنها معجزات، فقلت أمضي وأنظر من أي جنس هي من المخاريق، فجئته كأني مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال لي: تشه الساعة ما شئت حتى أجيئك به! وكنا في بعض بلدان الجبل التي لا يكون فيها الأنهار، فقلت له: أريد سمكا طريا في الحياة الساعة! فقال: أفعل، اجلس مكانك فجلست، وقام، فقال: أدخل البيت وأدعو الله أن يبعث لك به.

قال: فدخل بيتا حيالي وغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني وقد خاض وحلا إلى ركبتيه وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: دعوت الله فأمرني أن أقصد البطائح وأجيئك بهذه، فمضيت إلى البطائح، فخضت الأهواز، فهذا الطين منها حتى أخذت هذه!

فعلمت أنها حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت فإن لم ينكشف لي حيلة فيه آمنت بك، فقال: شأنك، فدخلت البيت وغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقة ولا حيلة، فندمت، وقلت: إن وجدت فيه حيلة فكشفتها، لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد طالبني بتصديقه، كيف أعمل؟

قال: وفكرت في البيت فرفعت تأزيرة - وكان مؤزرا بإزار ساج - فإذا بعض التأزير فارغا، فحركت جسرية منه خمنت عليها، فإذا هي قد انفلقت، فدخلت فيها فإذا هي باب ممر، فولجت فيها إلى دار كبيرة، فيها بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار والثمار، والريحان والأنوار، التي هي وقتها، وما ليس هو وقته، مما قد غطي وعتق، واحتيل في بقائه، وإذا الخزائن مفتوحة فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في الحال إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكا كبارا وصغارا، فاصطدت واحدة كبيرة وخرجت، فإذا رجلي قد صارت بالوحل، والماء إلى حد ما رأيت رجله!

فقلت: الآن إن خرجت ورأى هذا معي قتلني، فقلت: احتال عليه في الخروج، فلما رجعت إلى البيت أقبلت أقول: آمنت وصدقت، فقال لي: ما لك؟ قلت: ما ها هنا حيلة، وليس إلا التصديق بك، قال: فاخرج فخرجت، وقد بعد عن الباب ، وتموه عليه قولي، فحين خرجت أقبلت أعدو أطلب باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني وعلم أني قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو خلفي فلحقني، فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني حتى مضيت إلى البحر، فاستخرجت لك هذه منه!

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٥٨