نسبها قوم إلى السحر والنيرنج والشعوذة، والبراعة في الطب والكيمياء، والقدرة على تسخير الجن!
وآمن بها آخرون على أنها كرامات وآيات، تدل على صدقه وولايته، ومقامه وإيمانه.
يقول صاحب «تاريخ بغداد»:
1 «اختلف الناس في أمره، فقال قوم: ساحر! وقال قوم: مجنون! وقال قوم: له الكرامات، وإجابة الدعوات.»
وأصدقاء الحلاج وخصومه قد أجمعوا جميعا على حدوث هذه الخوارق، فابن كثير، وابن خلكان، والخطيب البغدادي، وابن النديم من رجال التاريخ العام، والشعراني والمناوي والسلمي من مؤرخي الطبقات الصوفية قد أجمعوا على أنه كان يخرج فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ويمد يده في الهواء فيعيدها مملوءة دراهم، قد كتب عليها - قل هو الله أحد - ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوا، وما صنعوا في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائرهم!
كما تحدثوا عن قدرته على شفاء المرضى، بالرقية حينا، وبقراءة القرآن أحيانا، بل تحدثوا عن إحيائه للموتى، كما حدث لببغاء ولي عهد الخلافة العباسية!
حتى اسمه دارت الكرامة والخارقة حوله، يقول أبو عبد الرحمن السلمي:
2 «إنما سمي الحلاج؛ لأنه دخل مدينة واسط، فتقدم إلى حلاج وبعثه في شغل له، فقال له الحلاج: أنا مشغول بصنعتي! فقال: اذهب أنت في شغلي، حتى أعينك في شغلك! فذهب الرجل، فلما رجع وجد كل قطعة في حانوته محلوجة، فسمي بذلك الحلاج!»
ويقول ابن كثير:
3 «ويقال: إنه أشار بالمرود، فامتاز الحب عن القطن.»
ويقول ابن خلكان:
4 «كان يتكلم في ابتداء أمره من قبل أن ينسب إليه ما نسب من الأسرار، فيكشف عن أسرار المريدين ويخبر عنها، فسمي بذلك حلاج الأسرار، فغلب عليه اسم الحلاج.»
وكتب الطبقات الصوفية تموج موجا بكرامات الحلاج وعجائبه، وترويها بلغة اليقين الذي لا يدنو منه الشك!
يقول الحلواني:
5 «كنت مع الحلاج وثلاثة من تلاميذه، في قافلة من واسط إلى بغداد، وكان الحلاج يتكلم، فجرى في كلامه حديث الحلاوة، فقلنا على الشيخ الحلاوة! فرفع رأسه وقال: يا من لم تصل إليه الضمائر، ولم تمسه شبه الظنون والخواطر، وهو المترائي عن كل هيكل وصورة، من غير مماسة ومزاج، وأنت المتجلي عن كل أحد، والمتجلي بالأزل والأبد، لا توجد إلا عند البأس، ولا تظهر إلا حال الالتباس، إن كان لقربي عندك قيمة، ولإعراضي لديك عن الخلق مزية، فائتنا بحلاوة يرتضيها أصحابي!
ثم مال عن الطريق مقدار ميل، فرأينا هناك قطعا من الحلاوة الملونة، فأكلنا ولم يأكل منها، فلما استوفينا ورجعنا، خطر ببالي سوء ظن بحاله، وكنت لا أقطع النظر عن ذلك المكان، وحافظته أحوط ما يحافظ مثله.
ثم عدلت عن الطريق للطهارة وهم ذاهبون، ورجعت إلى المكان، فلم أر شيئا فصليت ركعتين وقلت: اللهم خلصني من هذه التهمة الدنية، فهتف بي هاتف: يا هذا، أكلتم الحلاوة، وتطلب الشك؟! أحسن ظنك، فما هذا الشيخ إلا ملك الدنيا والآخرة.»
ويروي فريد الدين العطار:
6 «أن الحلاج رسم على حائط السجن صورة مركب، ثم أمر المسجونين بأن يركبوا فيها، وأن يذكروا اسم الله سبحانه، فلما فعلوا غابوا عن الحبس، ونجوا جميعا!»
ويحدثنا الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الفتوحات، وحجة الإسلام الغزالي في الإحياء، أن الحلاج كان يدخل في بيت له يسميه - بيت العظمة - وكان يتطور فينتفش وينتفخ حتى يملأ هذا البيت!
أما كتب التاريخ العام، فتروي عجائب الحلاج، ثم تحاول في أثناء روايتها أن تعللها متدخلة في الرواية حينا، وملقية بالشك عليها أحيانا. ... يروي مسعود بن ناصر، قال: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول:
7 «دخل الحسين بن منصور مكة ومعه أربعمائة رجل، فأخذ كل شيخ من شيوخ الصوفية جماعة، قال: وكان في سفرته الأولى كنت آمر من يخدمه، قال: ففي هذه الكرة أمرت المشايخ وتشفعت إليهم ليحملوا عنه الجمع العظيم.