كانت محاكمة سياسية، وكان قتلا سياسيا، لبس زورا ثوب الدين، وتقنع كذبا بقداسته وحمايته.
يقول المستشرق ماسنيون: «فلولا أن الحلاج قد زج بنفسه في التيارات السياسية المضطربة في عصره، واتصل بالسياسة ورجالها، لما حدث له ما حدث، من تعذيب وصلب، وما كانت الاتهامات الدينية إلا اتهامات رسمية؛ لتكون تكأة يستند إليها السلطان.»
ويقول العلامة آدم متز:
2 «وأغلب ما انتهى إلينا من أخبار الحلاج، إنما ذكره خصومه، ويؤخذ من هذه الأخبار بوضوح أن الحلاج قد أثر في كبراء أهل بغداد، تأثيرا قويا نادر المثال، ويدل على عظيم شأنه أن كلا من الذهبي وابن الجوزي كتب عنه كتابا خاصا.
ولكن يظهر أن هذين الكتابين قد فقدا مع الأسف، ولم ينل هذا الشرف - أعني تخصيص كتاب في حياة رجل - إلا العدد القليل بين رجال الإسلام.»
وكما لمس رجال الاستشراق سر المأساة الحلاجية، وأنها مأساة سياسية لا دينية، لمس هذا السر أيضا بعض رجال التاريخ الإسلامي، من قدامى ومحدثين، لمسوه رغم الجهود الهائلة التي بذلتها الخلافة العباسية، لتشويه تاريخه، وتزوير أحداثه، وتمزيق تراثه.
فابن النديم: يعلل المأساة بأن الحلاج كان على اتصال بالرضا من آل محمد.
3
وابن خلكان: يفسرها بصلات الحلاج بالقرامطة وبالعلويين، وبتهديده للخلافة القائمة.
4
وأما صاحب «ظهر الإسلام»، فيفسح صفحات للمأساة، متهما الخلافة العباسية بالتزوير والافتراء.
يقول الأستاذ أحمد أمين:
5 «والظاهر من كل هذا أن الرجل والمرأة اللذين شهدا على الحلاج، كان موعزا إليهما بالشهادة، وأن القضاة تلكئوا في الحكم عليه، فاستعجلهم الوزير حامد!»
ثم يقول: «ويظهر أن أكبر تهمة وجهت إليه، هو أنه من شيعة أهل البيت، الذين يريدون أن ينحوا الخلفاء العباسيين ومن إليهم، ويوسعوا دائرة خلافة أهل البيت، فانتشرت دعوتهم في العراق وخراسان وجزيرة العرب وغير ذلك!»
ثم يقول: «فنعتقد أن هذا سر قتله لا غير ذلك، فدعوة كهذه تقض مضاجع خلفاء بني العباس ووزرائهم، فلا يبعد أن يكون الخليفة العباسي ووزيره حامد قد رتبا هذه المؤامرة ضده، وزوروا الشهود، واستحثا القضاة على قتله، وإلا فما بالهم قد تركوا الصوفية الآخرين، كالجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وذي النون المصري من غير قتل، فهي مسألة سياسية بحتة، اتخذت شكلا دينيا، لعلمهم أن الدين أفعل في الشعوب من السياسة.
فكم من صوفية ادعوا وحدة الوجود، فلم يلتفت إليهم، وتركوا وشأنهم!
ومما لفت عامة المسلمين إليه ما تواتر عن الحلاج من إتيانه بالأعاجيب، فيظهر أنه كان له قدرة كبعض الأشخاص اليوم على استحضار ما يريده من الأشياء من أماكنها، كالذهب، والمسك، والفاكهة، وأنه كان له قدرة على التنويم المغناطيسي، وقدرة أخرى كيماوية بهر الناس بها لجهلهم بالكيمياء.
وعلى العموم، فهو شخصية قوية كشخصية ذي النون وأشد منها، كان له أثر كبير في المسلمين.»
ذلك ضمير التاريخ، أو ذلك بعض ضميره.
| مغوثات الحلاج بين السحر والكرامة
الآن وقد مضى بنا القلم طويلا حول الحلاج السياسي، وصراعه مع الخلافة العباسية، ومصرعه البطولي الدامي!
الآن آن لنا أن نعود إلى الحلاج الصوفي، لنواصل دراسته، ولنحيا مع حبه ووجده وأشواقه ، وتحليقاته في الأحوال والمقامات الروحية، وما حققه في تجربته الصوفية، من فتوحات ووثبات في عالم المشاهدة والمعرفة.
ولا بد لنا - قبل أن نحيا مع الحلاج في تجربته - من أن ندير الحديث حول نقطة في تاريخه، لا تزال غامضة محيرة، يكثر حولها الجدل والحوار، تلك هي المغوثات الحلاجية، التي كانت سمة من سماته، وطابعا عرف به في حياته، من بداية أمره حتى يوم مأساته.
ولقد امتلأت حقائب التاريخ الصوفي، وغيره من تاريخ الرجال والطبقات، بالحديث عن عجائب الحلاج وخوارقه، واختلف الناس في أمرها، ودندنوا طويلا حولها.