ويقول ابن كثير:
68 «وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل! وإنما ألقى شبهه على عدو له!»
ثم أخذ تلاميذ الحلاج يكونون في الخفاء جماعات روحية حلاجية، تتدارس تعاليمه، وتحافظ على تراثه، وتحاول جاهدة أن تبقي ذكراه حية نامية في ضمير التاريخ، متحدية في ثبات، وفي فدائية الخلافة العباسية، بكل ما لها من سلطان ساحق، ونفوذ لا يقاوم.
| سر المأساة!
ذلك مصرع الحلاج، وتلك مأساته! ويوم المصرع عندي هو نقطة الانطلاق في حياة الحلاج، وهو سر خلوده وسحره التاريخي.
وإن كانت آراء الحلاج قد اختلف الناس فيها وتجادلوا، وأطالوا الاختلاف والجدال، فإن بطولة الحلاج وثباته الأسطوري المعجز، وإيمانه الصامد الصاعد في يوم مصرعه ليرسم صورة بطولة خالدة متألقة، أعلى من أن يتجادل الناس فيها أو يختلفوا.
ومن أراد أن يحلق حول شخصية الحلاج، ويلمس إيمانه وحبه، وعقيدته ورسالته، فليبحث عن هذه المعاني الشامخة في يوم مصرعه، وليلتمسها على آلة صلبه وعذابه.
إن هذه البطولة الخارقة، وهذا الثبات المعجز، وهذا الإيمان الأعلى، إنها مذاقات ومقامات، لا تفاض إلا على الصديقين والشهداء، من أصحاب المبادئ والرسالات.
إنها مواقف ليست من عقائد الأرض، ولا من شهواتها، إنها من إيمانيات السماء ووحيها.
وما كان لأبناء الدنيا، وأصحاب الهوى في آفاقها، أن يثبتوا ثبات الحلاج، وأن يصمدوا لما صمد له.
وما أحسب أن تاريخ البشرية، الطويل العريض، ضم بين صحفه وأحداثه إيمانا وثباتا تحت هول العذاب الصاعق، كثبات الحلاج وصبره وفدائيته وبطولته.
إن يوم المصرع هو عنوان الحلاج وتاريخه، وعنده يلتمس علماء النفس، وأساتذة الفكر شخصية الحلاج ومقامه في أروقة الخالدين، من المجاهدين المؤمنين.
إن يوم المصرع هو يوم النصر للحلاج، ويوم الهزيمة الكبرى للخلافة العباسية، بكل ما تمثله وتصوره في تلك الحقبة من التاريخ.
لقد هزم الحلاج الخلافة العباسية، في حياته واستشهاده، وفي حركة التاريخ وضميره، من بعد حياته واستشهاده.
لقد حرقت جسده وأحالته رمادا، ثم نثرت هذا الرماد في أقطار السماء، تريد له الفناء، فكتب له البقاء.
البقاء الحي أشد ما تكون الحياة، وأعصى ما تكون هذه الحياة على الزوال والفناء.
لقد أطلقت الخلافة حول سيرته سرادقا من نار ودخان، ثم أطلقت المنادين يأمرون الناس أن يحرقوا آثاره، وأن لا يبيعوا كتبه، وأن يمحوها من الوجود، وأطلقت من وراء هذا وذاك الأقلام المأجورة تملأ كتب التاريخ إفكا وزورا.
وعجز كل هذا الدخان والضباب، والتزوير والافتراء، عن أن يحجب عن عين التاريخ وذاكرته وصحفه البرق المتلألئ من أسطورة البطل الشهيد، والسنا المتألق من تراث العارف المحب.
يقول المستشرق نيكلسون:
1 «قتل الحلاج وأحرق رفاته كما تنبأ، وعبثت برماد جسده الرياح العاصفة، والمياه الجارية، ولكن بقيت آراؤه من بعده تعمل عملها، خلال العصور الوسطى جميعها، وتحاول أن تحيا حياة جديدة.
وإننا لنتبين قوة هذا الرجل، وحيويته الروحية، من الأثر العظيم الذي كان له في نفوس الأجيال التي أعقبته.»
لقد أعجز الحلاج الخلافة العباسية، حيا ومصلوبا وشهيدا، وأحدث أثرا خالدا في التاريخ، حتى التهم البغيضة الغليظة، التي قذفوا بها الحلاج يوم المحاكمة، أخذت تتساقط سطرا فسطرا، لتفسح الطريق لوجه الفجر الصادق، يمحو بنوره كل فجر كاذب، وكل ادعاء فاجر؛ لتفسح الطريق للحقيقة، الكامنة وراء المأساة الدامية، فلم تكن الخلافة العباسية لتصب كل هذا الهول الفاجر على الحلاج، لشطحه الصوفي، أو لمروقه الإلحادي، أو لقوله - أنا الحق! كما حاولت أن تكره الشهود، وأن تكره القضاء، وأن تكره التاريخ على هذا البهتان والتزوير، بل صبت هذا الهول الغليظ الفاجر، دفاعا عن نفسها، وعن وجودها، وعما تمثله ويمثله وجودها، من شهوات وفجور، وفساد واستغلال، ومحاربة للدين والإيمان.