وتروي المخطوطات الصوفية:
65 «أن أخته ظلت تبكي عليه أمدا، ثم نامت ذات ليلة، فرأت في المنام أخاها حسينا، وهو يقول لها: يا أختي إلى كم تبكين علي ؟! فقالت له: كيف لا أبكي وقد جرى عليك الذي جرى؟! فقال لها: يا أختي لما قطعوا يدي ورجلي كان قلبي مشغولا بالمحبة، فلم أدر إلا هي طيبة! فلما صلبوني كنت مشاهدا ربي، فلم أدر ما فعلوا بي! فلما أحرقوني نزلت علي ملائكة ربي من السماء، صباح الوجوه، فاختطفوني إلى تحت العرش، وإذا بالنداء من العلي الأعلى: يا حسين، رحم الله من عرف قدره، وكتم سره، وحفظ أمره، فقلت: أردت التعجيل إلى رؤيتك، فقال: تملأ بالنظر، فإني لا أحتجب عنك.
يا أختي إذا كنت في رياض وبساتين، وأثمار وأنهار، هل يطلب أحد بدل ذلك العمار هذا الخراب؟ قالت: لا، قال: كذلك أرى.»
بين محيي الدين والحلاج
ويحدثنا العلامة المناوي عن مشهد روحي بين الحلاج والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.
فقد سأل محيي الدين الحلاج في عالم الروح، قائلا: لماذا تركت بيتك يخرب؟!
فتبسم الحلاج وقال: «لما استطالت عليه أيدي الأكوان، حين أخليته، وخلفت هارون في قومي، استضعفوه لغيبتي، فأجمعوا على تخريبه، فلما هدموا من قواعده ما هدموا، وكنت قد فنيت، رددت إليه بعد الفناء، فأشرفت عليه، وقد حلت به المثولات، فأنفته نفسي، وقلت: لا أعمر بيتا تحكمت فيه الأكوان، فانقبضت عن دخوله، فقيل: مات الحلاج! والحلاج ما مات، ولكن البيت خرب، والساكن ارتحل.»
66
وهو مشهد روحي، يلقي بالأضواء على حياة الحلاج، وعلى أسرار مصرعه.
فمحيي الدين يعاتب الحلاج، على أنه قد كشف من الأسرار الروحية ما مكن خصومه من دمه، كما يعاتبه أيضا على أنه استسلم لمصرعه، ولم يحاول النجاة منه.
والحلاج في إجابته يروي قصته كاملة، فهو يتحدث عن سيره في الطريق المضيء إلى الله، ورحلته الروحية على أجنحة الحب والوجد، من الأكوان إلى المكون سبحانه. لقد حاول في تجربة روحية فذة، أن يصل إلى مرتبة الفناء الكامل.
الفناء عن نفسه، وعن كونه، ليبقى في عالم النور والمشاهدة، وليظفر بمقام الإنسان الرباني، الذي يكون الله جل جلاله هو سمعه وبصره، ويده ولسانه، وحركاته وسكناته.
وبذلك يذوق مذاقا من القرب ، أو مذاقا من الحب، يفني بشريته، فيحقق بهذا الفناء وثبة بالإنسان إلى أعلى أفق يتطلع إليه، أفق القرب، إلى أبعد حدود القرب، بين العبد والرب، والحلاج هو أجرأ وأقوى من حاول هذه التجربة في عالم التصوف.
ثم يقول الحلاج: «إنه في جهاده الروحي، لم يستطع أن يتخلص تماما من جسده، ومن العلاقات التي للكون على هذا الجسد!»
فرحل بروحه إلى الله، وترك العقل أو بقية منه، ليخلفه في تدبير هذا الجسد، كما رحل موسى عليه السلام إلى الله، وترك هارون في قومه ليخلفه فيهم.
وهنا تحكمت الأكوان في جسده، لغيبته عنه، واستضعفوا خليفته، فأدى ذلك إلى تقويضه.
ولما كان الحلاج قد فنى عن نفسه، وبقي بربه، رد بحكم البقاء بعد الفناء إلى البيت - الجسد - فلما وجد أن الأكوان قد تحكمت فيه، وحلت به المثولات، أنفته نفسه، ومن ثم زهد هذه الحياة، فزهدته الحياة، فكان العذاب، وكان القتل أبشع ما يكون القتل.
وانقبض الحلاج عن دخول البيت، وقيل مات الحلاج! وما مات الحلاج! ولكن البيت خرب! والساكن ارتحل! ارتحل إلى البقاء والخلود. (2-11) في أعقاب المصرع
وفي أعقاب المصرع انطلق خيال بغداد، ليضفي على البطل الشهيد نسيجا أسطوريا من أنسجة القداسة والخلود.
وإن لم يتسق هذا النسيج الموشى مع الحقيقة، فإنه ليرشد ويومئ إلى صور من الحب والإجلال خفق بها قلب بغداد، وهي تبكي بطلها الشهيد.
يقول ابن خلكان:
67 «وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما!»
واتفق أن دجلة زادت في تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها.