ذلك تصوير الحلاج لموقفه ولمصرعه، وذلك نشيده يوم الهول، وليلة الموت!
عجائب يوم المصرع
يقول ابن خفيف:
55 «تقدمت إليه في الليلة التي صلب فيها، فلما رأيته على خشبته بحالته، توليت وأنا مفكر في أمره! فإذا به يناديني: أن أقبل، فأقبلت إليه، فقال لي: عاملناه بالحقيقة، فعمل بنا ما ترى!»
ومضى الليل الطويل بهوله، وجاء اليوم الثالث بعذابه، ومع الفجر طافت جموع الشعب ببغداد، تحطم وتدمر، وتطالب بإنقاذ الحلاج، أو بإنقاذ ما تبقى منه!
وارتعد الخليفة وجبن، وأسرع إليه حاجبه نصر القشوري، ووالدته - شغب - ينذرانه عاقبة المأساة الحلاجية، ويناشدانه باسم الدين والإنسانية، العفو عن الجسد الممزق، والبطل المصلوب، الذي توشك الدماء السائلة منه أن تدفع ببغداد إلى ثورة مدمرة تطيح بكل شيء.
وخضع المقتدر للرجاء، أو خضع للخوف، فاعتزم العفو، وبلغ مسمع حامد ما يدور في القصر، فأسرع إلى الخليفة يناشده أن يتم ضربته الكبرى، منذرا بأن العفو في هذه الساعة الحاسمة قد يلهب بغداد أكثر مما يلهبها القتل!
ثم صاح حامد: اقتله يا أمير المؤمنين، وفي عنقي دمه، اقتله وإن حدثت الثورة التي يتنبأ بها نصر فاقتلني، اقتله قبل أن تثور العاصفة!
وبين التردد والعزم، صدر الأمر الأخير من فم الخليفة: اقطعوا رأس الحلاج، وأحرقوا جسده!
يقول ماسنيون:
56 «وبينما كان الثائرون يحرقون بعض الدكاكين، وقد أبطأ أمر الخليفة المعتاد بالإجهاز عليه، كان حامد يستحث المقتدر على الموافقة على الأمر بالإعدام، قائلا: إن أصابك شيء فاقتلني.»
ويقول ابن كثير:
57 «فلما كان اليوم الثالث، تقدم حامد إلى الخشبة، فتلا أمر الخليفة، ثم قرأ فتوى الفقهاء، بأن في قتل الحلاج صلاح أمر المسلمين! ثم أمر الجلاد بقطع رأسه والإجهاز عليه.»
ويقول الحلواني:
58 «قدم الحلاج للقتل وهو يضحك، فقلت: يا سيدي ما هذا الحال؟ فقال: دلال الجمال الجالب إليه أهل الوصال.»
ويقول عيسى القصار:
59 «آخر كلمة تكلم بها الحلاج عند قتله وصلبه أنه قال: حسب الواجد، إفراد الواحد له، فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ، إلا رق له واستحسن هذا الكلام.»
ويقول ابن خفيف:
60 «ثم ضرب عنقه، فبقي جسده ساعتين من النهار قائما، ورأسه بين رجليه، وهو يتكلم بكلام لا يفهم، فكان آخر كلامه، أحد، أحد. فتقدمت إليه، فإذا بالدم يخرج منه ويكتب على الأرض: الله، الله، في أحد وثلاثين موضعا، ثم أحرق بالنار!»
ويقول العلامة المناوي:
61 «ولما وقع دمه على الأرض، كتب: الله، الله، إشارة لتوحيده، وإنما لم يكتب دم الحسين بن علي - رضي الله عنهما - ذلك؛ لأنه لا يحتاج لتبرئة بخلاف الحلاج.»
ويقول ابن الجوزي:
62 «ولم يبق ببغداد إلا من شهد قتله، والتفت إلى الناس وهو على الجذع - قبل قتله - وقال: من حضر بطلت شهادته، ومن غاب قبلت شهادته، وناداه بعض الصوفية وهو مصلوب: من طلق الدنيا كانت الآخرة حليلته.»
ويروي ابن أنجب الساعي عن الشيرازي، أنه قال:
63 «لما صلب الحلاج بقي ثلاثة أيام لم يمت، فأنزلوه وفتشوه، فوجدوا معه ورقة مكتوبة بخطه، وفيها آية الكرسي، وبعدها هذا الدعاء: اللهم ألق في قلبي رضاك، واقطع رجائي عمن سواك، وأعني باسمك الأعظم، وأغنني بالحلال عن الحرام، وأعطني ما لا ينبغي لأحد غيري «بحم عسق»، وأمتني شهيدا «بكهيعص».»
ثم لف جسده في بارية، وصب عليه النفط وأحرق، وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه الريح، في السادس والعشرين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة ه / 26 مارس 922م.
ونصب رأسه يومين على الجسر ببغداد، ثم طيف به في خراسان، ثم أخذته أم الخليفة المقتدر، فحنطته وعطرته، وأبقته في خزانتها عاما كاملا.
مشاهد روحية
ويروي ماسنيون:
64 «أن الشبلي رأى الحلاج في المنام بعد قتله، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أنزلني وأكرمني، قال: في أي محل؟ قال: قد غفر لكلتا الطائفتين، المشفقين علي، والمعادين لي، فأما من أشفق علي فلأنه عرفني، فأشفق علي لله، وأما من عاداني، فلأنه لم يعرفني، فعاداني لله أيضا، فهما معذورون!»