تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أنشد:

اقتلوني يا ثقاتي

إن في قتلي حياتي

ومماتي في حياتي

وحياتي في مماتي

إن عندي محو ذاتي

من أجل المكرمات

وبقائي في صفاتي

من قبيح السيئات

فاقتلوني واحرقوني

بعظامي الفانيات

ثم مروا برفاتي

في القبور الدارسات

تجدوا سر حبيبي

في طوايا الباقيات

49

ثم تتابعت مشاهد العذاب، من جلد وصفع وركل وسباب، والحلاج على مصلبه، ممزق الجسد، تتساقط قطرات الدماء من سائر جسده، وهو في نشوة روحية، بل في ثمل روحي أعلى وأسمى وأقوى من كل ما صب عليه من هول وعذاب!

إنه في تسابيحه ومواجيده ومناجاته، غير ملتفت إلى ما بتر منه، وما يحيط به!

لقد تفتحت له أبواب السماء، وأحاطت به هالات من النور، وفي سمعه ألحان من الأفق المضيء، وترنيمات من أوتار خفية، يوقع على موسيقاها ابتهالاته الخالدة.

إذا ذكرتك كاد الشوق يقلقني

وغفلتي عنك أحزان وأوجاع

وصار كلي قلوبا فيك داعية

للسقم فيها وللآلام إسراع

50 •••

يا لائمي في هواه كم تلوم فلو

عرفت منه الذي عنيت لم تلم

للناس حج ولي حج إلى سكني

تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي

51 •••

لا تلمني فاللوم مني بعيد

وأجر سيدي فإني وحيد

من أراد الكتاب هذا خطابي

فاقرءوا واعلموا بأني شهيد

52

ثم تتابعت مشاهد، تجلت فيها أسمى ما في النفوس الإنسانية من مثاليات، وأحط ما في الغرائز البشرية من صفات.

فقد أقام حامد وصحبه حول مصلب الحلاج أعوانا لهم، يملئون الدنيا سبابا وصياحا هاتفين: اقتلوا الحلاج الزنديق، وفي أعناقنا دمه!

ثم أخذ الجند يجمعون الفقهاء والصوفية ليرجموا الحلاج، وهو في موقف الهول والعذاب، فامتنع فريق كبير عن هذا الإثم، صبروا وصابروا، واحتملوا الجلد والسجن، ولم تقترف أيديهم السوء!

ثم جيء بالشبلي، تلميذ الحلاج وصديقه وصفيه، جيء به ليرجم الحلاج، وأقسموا على قتله إن لم يفعل!

وأذن له الحلاج وطالبه أن يفعل صونا لدمه، فرماه بوردة ... ثم بكى وصاح: «إن استشهاد الحلاج درة من الجمال المحرم، إنه زاد خلود، لا يظفر به إلا الأبطال، وليس بزاد يوزع على الجميع.»

يقول ماسنيون:

53 «وفي وسط هذا كله، الحلاج نفسه مصلوبا خارجا عن طوره، مظهرا للجميع من فوق مقصلته، وهو في حالة من الوجد تجاوز ببدنه حد الموت، شخصية المسيح الخالدة، كما وصفها القرآن، وكأنه الصورة المعبرة المتجلية فيها روح الله: وما قتلوه وما صلبوه.»

ومضى اليوم الثاني، وجاءت الليلة الثانية، على الشهيد الصامد، لهول لم يصمد له أحد من قبل!

ومضى الليل ثقيلا بطيئا، ورفرف الموت على الساحة الكبرى، وأخذت ظلال المشاعل ترسم أطيافا حزينة باكية.

والمصلوب المعذب في نشوته ومناجاته وضراعاته، التي ترسم في عالم الروح، صرخات تهز عالم النور.

عالم الروح والنور، الذي سعى إلى الحلاج ليؤنسه في لحظاته الأخيرة، تلك اللحظات التي صورها لنا الحلاج على مصلبه في آخر قصائده ...

قصيدة المصلب

54

وفيها يروي قصته كاملة، بذلك النغم المأثور عن الصوفية، في حالات الشطح والسبح الروحي.

فيحدثنا عن فنائه في الله، ذلك الفناء الذي أورثه البقاء به سبحانه، ومن بقي بالله عاش في عالم المشاهدة، وتفتحت عين روحه، لتطل على الوجود.

ثم يقول: إنه الباز الأشهب في عالم الروح، وهو مقام أعلى وأسمى من القطبانية، وإنه شربه من مقام الصديقية، وهو مقام لا يعلوه إلا مقام النبوة، وإنه غدا ربانيا يعيش تحت العرش، وإنه قد حطم ببرهانه جبال الأكاذيب التي أحاطت به.

وإنه الذي شاع ذكره في الملأ الأعلى، وإنه خاض بحر الهوى قويا كحوت يونس، وأخرج أروع جواهره.

ولكنه لم يجد في عصره من يفهم قيمة هذه الجواهر، فأصبح كمن يبيع الجوهر للفحامين! وكالذي يوقد الشموع في قاعات العميان! وكالذي يضع السر في أكمام عريان.

ثم يعرض علينا في إطار فخم حوادث مصرعه، وكيف احتشد الأقطاب والأولياء جميعا، وفي مقدمتهم الخضر لمؤانسته وتحيته، وأن السيف خاطبه وناجاه، ولو أراد لامتنع السيف عنه، ولو شاء لهدم بغداد على البغاة، ولكن الخضر والأقطاب طالبوه بأن يموت شهيدا كما مات ابن عفان، وأن لا يخلع أبدا الخلافة الباطنية، كما لم يخلع ابن عفان الخلافة الظاهرية.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٥٢