تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتفت الشبلي يمينا وشمالا فرأى فاطمة الأموية، فقال لها: ادني مني، فدنت، فقال لها: اذهبي إلى الحسين بن منصور فقولي له: إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد، واحفظي ما يقول لك، ثم اسأليه عن التصوف، وما هو؟

ومضت فاطمة إلى الحلاج، فقالت: أنا رسولة أبي بكر الشبلي، فابتسم الحلاج، ثم قال: هاتي ما معك.

فقالت له: إنه يقول لك: إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته، فأذاقك طعم الحديد، فأنشأ يقول:

تجاسرت فكاشفت

ك لما غلب الصبر

وما أحسن في مثل

ك أن ينتهك الستر

وإن عنفني الناس

ففي وجهك لي عذر

كأن البدر محتاج

إلى وجهك يا بدر

ثم قال اذهبي إلى أبي بكر فقولي له: يا شبلي والله ما أذعت له سرا.

فقالت فاطمة: فما حقيقة التصوف، فقال: أهون مرقاة فيه ما ترين. قالت: فما أعلاه؟ قال: ليس لك إليه سبيل، ولكن سترين غدا ما يجري، فإن في الغيب ما شهدته وغاب عنك ... ثم قال: والله ما فرقت بين نعمة وبلوى ساعة قط.

فجاءت فاطمة إلى الشبلي، فأعادت عليه ذلك، فصاح الشبلي: يا معشر الناس، الجواب الأول لكم، والثاني لي؟»

عذاب الحلاج!

ثم قام الحراس فشدوا وثاقه إلى آلة الصلب، وأخذوا يتفننون في إيلامه وعذابه بألسنتهم وسياطهم.

ومضى يوم، وغربت الشمس، وجاءت الليلة الأولى من ليالي العذاب، فباتها الحلاج على صورة لم تعرف لغيره في التاريخ.

باتها مقيدا مصلوبا مقطوع اليدين، تنزف جراحه دما؟! وبات جمهور البغداديين حوله، على الضفة الغربية لدجلة، يرقب المأساة، ويشهد الفاجعة ، ويتتبع بعواطف متضاربة، مشاهد مسرحية حية دامية.

يشهد صراعا عجبا فذا تدور رحاه حول رجل أعزل، ينازل وحده، في بطولة متحدية، صابرة شامخة، القوى الحاكمة في العراق، وهي أعظم قوى الأرض في عصرها!

وكان منظرا مسرحيا، لم تشهد مسارح الدنيا مثيلا له من قبل، مئات المشاعل تضيء شواطئ دجلة، وتكشف آفاقها، وتغمر مياهها بالألوان والظلال.

وهنا وهناك قامت حلقات وأروقة للذاكرين من الصوفية، وللمجادلين من المعتزلة، وللمتناظرين من الحنابلة، وللمتعصبين من الشيعة، يديرون حديث القلب والعقل حول المشهد العظيم، الذي هز بغداد وأطار النوم من جفونها.

وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، شتيت من الأجناس والطوائف، المتعددة الأهواء والثقافات، والميول والاتجاهات.

ويمشي بين صفوف هؤلاء وهؤلاء تلاميذ الحلاج وأحبابه، يتحدثون عن إيمانه ورسالته، وكراماته وعجائبه، ويشتط الخيال بفريق منهم، فيذهب بهم بعيدا بعيدا، ليضفي على الحلاج قداسات أكثر مما تطيق البشرية، وأعلى مما تستطيع الإنسانية!

وتتلقف آذان الجماهير، هذه الأحاديث البارعة الملونة، فتخفق قلوبهم، للشهيد المعذب المصلوب، وتثور عواطفهم، للقطب المضطهد المظلوم!

وداخل هذا الإطار الكبير بألوانه وظلاله، يقف الحلاج مشدودا بوثاقه على مصلبه الدامي، مترنما بألحانه، محلقا في نشوة قلبية أكبر من آلامه، وفي ثمل روحي أعظم من عذابه.

إنه في عالمه العلوي الروحي المضيء، بعيدا بعيدا، عن الأرض وما يدبر فيها، وما يصب عليها!

إن صمود الحلاج على مصلبه، لزاد من الخلود - كما يقول الشبلي - أعلى مما يفهم من لم يذق مذاقه ويحيا حبه!

قطع قدماه!

وجاء صباح اليوم الثاني، فتضاعف - كما يقول ابن كثير - عدد البغداديين حول مصلبه، واجتمع من العامة عدد لا يحصى.

46

وبدأ العذاب من جديد في يومه الثاني، فقطعت رجله اليمنى، ثم اليسرى، ومع قطرات الدم، ارتفعت السياط، تمزق ما بقي من هذا الأديم الصابر الصامد!

يقول الخطيب البغدادي:

47 «سمعت فارسا يقول: قطعت أعضاء الحلاج، عضوا عضوا وما تغير لونه، وما فتر لسانه عن ذكر الله.»

وعن ابن فاتك قال:

48 «لما قطعت رجلا الحلاج قال: إلهي أصبحت في دار الرغائب، انظر إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك!»

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ) · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي (٢٤٤–٣٠٩ﻫ)ص ٥١